‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 11 يناير 2025

آلان باديو: إنقاذ الرياضيات بين الفلسفة والعبقرية

 

يُعد آلان باديو من بين القلائل من الفلاسفة المعاصرين الذين يجمعون بين التفكير الفلسفي في الرياضيات (مع الإشارة إلى أن النقاش حول ما إذا كان يجب الحديث عن "الرياضيات" ككل أو "الرياضيات" كفروع متفرقة يشكل في حد ذاته مشكلة فلسفية) والممارسة العملية الطويلة الأمد التي تمكنه من الحديث عن هذا المجال انطلاقًا من معرفة داخلية عميقة.

في كتابه "في مديح الرياضيات"، وهو عبارة عن سلسلة من المقابلات مع جيل هايري، يتناول باديو هذا الموضوع بطريقة تجمع بين الذكاء والحساسية. يبدأ بنقد فكرة الرياضيات كأداة للانتقاء الاجتماعي، ليصل إلى أهمية الرياضيات في تخصّصه الفلسفي، وفي تطوير أدواته الفكرية. يظهر باديو في هذا العمل بصفته مفكرًا بارعًا في موضوع معقد، حيث يعرض فهمًا حقيقيًا للرياضيات، ويعالجها بطريقة تفتح آفاقًا مفيدة، ويعيد وضع هذا الموضوع في سياقات فكرية أخرى، ما يعكس العبقرية التي تميز التفكير الرياضي.

أولى أولويات آلان باديو في هذا الكتاب هي "إنقاذ الرياضيات". قد يبدو هذا الهدف متناقضًا، خصوصًا في ظل الاعتراف الواسع بالدور الاجتماعي والفكري لهذه المادة. تُبرز أهمية الرياضيات في مجالات حيوية مثل علوم الكمبيوتر، الفيزياء، وحتى علم الوراثة؛ حيث لم يكن فك شيفرة الجينوم ممكنًا إلا من خلال التطورات المذهلة في الرياضيات (مثل مفهوم "الحسابية" وغيرها من التخصصات ذات الصلة) وتطوير علوم الكمبيوتر، التي هي بدورها مدينة بشكل كامل للرياضيات. علاوة على ذلك، تعد الرياضيات، وخاصة في فرنسا، بمثابة "ملكة" أدوات الانتقاء الاجتماعي؛ إذ لا يمكن للطلاب الالتحاق بالدراسات العليا في العديد من المجالات إلا إذا امتلكوا مستوى عاليًا في الرياضيات، حتى وإن لم يكن هذا المستوى مرتبطًا مباشرة بالتخصص الذي يرغبون في دراسته، مما يعكس ضرورة اجتماعية لهذه المادة.

غير أن المكانة التي تحظى بها الرياضيات بوصفها تخصصًا لا غنى عنه لتطوير علومنا التقنية، أو بوصفها 'مادة تدريب' في المدارس الكبرى، تخفي – وفقًا له – الدور الثقافي الأساسي الذي يمكن للرياضيات أن تلعبه في تكوين الإنسان المثقف في القرن الحادي والعشرين. لكن هذه الضرورة تفتح الباب أمام تساؤلات محتملة، تساؤلات لا يقدم ألان باديو إجابات عنها.

على سبيل المثال، يقدم لمحة عن ضرورة الرياضيات باعتبارها الأساس المكوّن لكل فلسفة. ويعود في أكثر من مرة إلى صيغته الكلاسيكية: "تستند الفلسفة إلى أربعة أعمدة: الحب، السياسة، العلوم، والفن."ومن هنا، يستخلص ضرورة الرياضيات من ضرورة العلوم للفلسفة: بالنسبة له، التحدي المركزي في هذا النقاش هو تعريف العقلانية نفسها. يقول: "الرياضيات هي بالتأكيد القاسم المشترك الذي مكّن العلوم من أن تقوم على أسسها، لكنها عمومًا ترتبط بنشأة التفكير العقلاني، الذي يُعتبر الأداة الفكرية للفيلسوف." ومن هذا المنطلق، تنبثق سلسلة من التأكيدات التي لا يتم النقاش حولها أبدًا: أن الرياضيات تُعدّ 'علومًا'، أن لها علاقة وثيقة بالفلسفة، إضافة إلى تقديم تعريف للعقلانية دون الخوض في التساؤلات حول ماهيتها (إذ لا يتم مناقشتها كموضوع بحد ذاته). والأهم من ذلك، وعلى عكس الرياضيين الذين يحرصون على تعريف موضوعاتهم بدقة قبل العمل عليها، فإنه لا يقوم أبدًا بهذه العملية الأساسية.

لكن ما يجعله مثيرًا حقًا هو عندما يُدخل "العمل الرياضياتي" في عمله الخاص كفيلسوف. يبدأ بالإشارة إلى الأهمية النسبية للرياضيات في العمل الفكري لـ"فلاسفة الإعلام" الذين ينتقدهم بشدة بعبارات تمزج بين الانتقام والعدالة: "نجوم الفلسفة في وسائل الإعلام الكبرى، يجب أن نقولها بوضوح، ومن وجهة نظر صارمة تتعلق بالمعارف المطلوبة للحديث عما يتحدثون عنه، هم أشخاص معدومو الكفاءة. في الرياضيات، سيكونون بمستوى طالب عادي جدًا في المرحلة الثانوية. وهذه فضيلة أساسية للرياضيات: مثل هذه الخدع لا يمكن أن تمر. لكن الجانب السلبي لهذه الفضيلة هو أن الرياضيات أصبحت غير قابلة للوصول أو موضوعًا للامبالاة حادة بسبب انفصالها الأرستقراطي عن أنظمة المعرفة الأخرى." ومع ذلك، يكون أقل إقناعًا عندما يفترض وجود لا مبالاة أو نقص معرفة لدى كبار المفكرين (وبالطبع، لا نعني هنا "فلاسفة الإعلام") تجاه الرياضيات. يقول: "من الواضح أن الطلاق بين التخصصين تم منذ بوانكاريه. لقد أصبح العيش في هذا الزواج صعبًا للغاية." لكن هذا غير صحيح إذا نظرنا إلى شخصيات مثل دولوز (الذي أعطى أهمية كبيرة للرياضيات والعلوم عمومًا) أو دريدا. وهو غير صحيح أيضًا بالنسبة لشخص مثل لاكان (الذي لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الدقيق، لكن يمكن اعتباره مفكرًا)، والأهم أنه غير صحيح بالنسبة لـ"مفكري الفلسفة التحليلية"، الذين لا يقتصر مستواهم في الرياضيات على مساواة منتقديهم، بل إن بعضهم يُعرف كرياضيين بارزين، بل وأسهموا بإسهامات جوهرية في هذا المجال. ومع ذلك، من الصحيح أن هؤلاء المفكرين غير معروفين جيدًا في هذا الجانب من المحيط الأطلسي!

أو على الأقل معظمهم، إن لم يكن جميعهم، يشككون في بُعد معين من 'الفعالية' في العقلانية، مؤدية إلى ازدراء معين، إن لم نقل عداءً صريحًا من قِبل العلماء في العلوم "الصارمة" وبعض العلمويين الذين يتفقون معهم. يمكننا الإشارة هنا، دون الخوض مجددًا في الهجمات السخيفة التي تعرّض لها معظم هؤلاء المفكرين على يد "الثنائي الجهنمي" سوكال وبريكمون. هذا الثنائي تجنب تمامًا مهاجمة ألان باديو، باستثناء إشارات عرضية تمامًا. وبالمقابل، تجنّب ألان باديو الرد على سوكال، خاصةً في الدفاع عن زملائه من أتباع "النظرية الفرنسية"، الذين كان له معهم علاقة معقدة تتراوح بين العداء والمنافسة، ولكن أيضًا تقارب عميق في نقاط أساسية.

في حين أن ألان باديو قد حلّ إلى حد كبير محل رواد "النظرية الفرنسية" في الجامعات الأمريكية، فمن الواضح أن الهجمات أصبحت أكثر شراسة ودقة. ولكن يكفي قراءة أعمال باديو لنرى أنه من هذه الزاوية، يتموضع ضمن تقليد فلسفي يبعد سنوات ضوئية عن الانتقادات الموجهة إلى "المنظّرين الأدبيين الفرنسيين".

تبقى فلسفة ألان باديو مطبوعة بأسلوب كلاسيكي قد يجد البعض فيه جاذبية، وهو أسلوب يتميز بفكرة "تقسيم المهام": "العلاقة بين الفلسفة والرياضيات ليست علاقة محاكاة. لا يستطيع الفيلسوف أن ينافس الرياضي في طريقه نحو الحقيقة. عندما قدم ديكارت دليلاً على وجود الله، لا أعتقد أنه اعتبره دليلاً من نفس طبيعة الأدلة في الجبر الهندسي. في الرياضيات، الدليل هو دليل. أما في الفلسفة، فالدليل هو اقتراح يتيح تقديم تفسير مقنع. لست متأكدًا من أن سبينوزا، عندما بنى الأخلاق كحجة هندسية، كان مقتنعًا بأنه ينجز عملاً يمكن مقارنته بكتاب 'العناصر' لإقليدس. على سبيل المثال، أحب نظرية تقول: "الندم ليس فضيلة". لا أظن أن سبينوزا كان يعتقد أنه أثبت هذه النقطة بالمعنى الرياضي للكلمة. أقول إنه أدرجها في نظام استمد جذوره من عناصر إقليدس". ومع ذلك، يبقى باديو قادرًا على تقديم استنتاجات مبهرة: "الرياضيات لم تُخلق لكي يتمكن كانط من طرح السؤال النقدي حول مصدر العالمية العقلانية. بل تم اختراعها مصادفة، يومًا ما، بعبقرية شخص واحد، كما لو كانت نوعًا من الجماليات العرضية. ولكن هذه العرضية تخلق إمكانية السؤال النقدي الذي يعرّف المشروع الفلسفي." في أبحاثه الخاصة، تناول باديو مفهوم اللاتناهي الرياضياتي. ويتمنى القارئ لو أنه يقدم نتائج أكثر أو رؤى متعلقة بعلاقته بعمله الفلسفي. لا يوجد شيء أكثر تناقضًا من اللاتناهي الرياضياتي. يقول باديو: "سأتناول مفهوم اللاتناهي، تاريخه، الوضع الحالي للمسألة، وتبعاتها. في الخمسين سنة الماضية فقط، تم تحقيق أبحاث مذهلة في الرياضيات من حيث التجديد والعمق. إذا تجاهلتها، فإنك عندما تتحدث عن كلمة "لاتناهي"، لن تعرف عما تتحدث." تم تناول مفهوم اللاتناهي بشكل خاص في أحد أهم أعماله، "الوجود والصيرورة". بالنسبة إلى باديو، هناك "ما هو كائن"وهناك "الصيرورات"، بخلاف الثنائي "دولوز وغوتاري" اللذين يعتقدان أنه لا يوجد سوى الصيرورات النقية. ويرى باديو أن "ما هو كائن" يبرر ذاته بذاته، ويجعل منه فئة خالصة غير قابلة للرد، وهو أفلاطونية خالصة مطبوعة بثبات "الفكرة". في طبعة  princeps  ، يصف الناشر الكتاب على النحو التالي: "فيما يتعلق بالوجود، الأطروحة الجذرية هي أنه منذ أصله اليوناني، الرياضيات، وهي وحدها، هي التي تنشر عملية التفكير فيه؛ وأن مرجع الرياضيات اليوم هو نظرية المجموعات الكانتورية. ومن هنا ينبثق وجودية التعددية الخالصة. ومع ذلك، هناك مجال لما هو 'ليس وجودًا': إنه الحدث، مصطلح زائد عن الحاجة لتجاوز غير قابل للتحديد بالنسبة للمعرفة، حيث تكون الحقيقة دائمًا مسبقًا غير قابلة للتمييز. ومن هنا، يكون الموضوع، بعيدًا عن أن يكون الضامن أو حامل الحقيقة، مجرد حالة محلية مستبعدة، تستمد وجودها الضئيل من الصيرورة العشوائية للحقيقة في الحدث. ومع ذلك، ينسج الموضوع ولاءً يتجسد في الفن، العلم، السياسة، والحب".

بعيدًا عن هذا النقاش المعقد، يظل حب ألان باديو للرياضيات أمرًا لا جدال فيه، وهو حب صادق ومُعدٍ. ولإثبات ذلك، ولإنهاء الموضوع، ما الذي يمكن أن يكون أكثر إقناعًا بحبٍ غير مشروط من هذا الاقتراح الصادر عن عاشق حقيقي لهذه المادة؟ اقتراحه بإعادة إدخال حب الرياضيات في المسألة المدرسية يعكس هذا الشغف بوضوح:

"تبقى الفلسفة مادة مهددة في السنوات النهائية للمدرسة الثانوية، والرياضيات مجرد أداة مملة للانتقاء الاجتماعي. حسنًا، أنا أقترح أن نخصص السنة الأخيرة من الروضة لهما معًا: الأطفال في سن الخامسة سيعرفون بالتأكيد كيف يستخدمون ميتافيزيقا اللاتناهي وكذا نظرية المجموعات بطريقة جيدة."

يا له من اقتراح جميل!


دفاع آلان باديو عن الرياضيات كفلسفة

 


يقدّم آلان باديو رؤية استثنائية للرياضيات بوصفها ليست مجرد أداة علمية دقيقة تُستخدم لحل المشكلات التقنية، بل تجربة فلسفية تمزج بين العقلانية الصارمة والجمال العميق. فيما يلي استعراض لرؤيته والدفاع الذي قدّمه لهذه الفكرة:


1.  الرياضيات كأفق للفكر الفلسفي:

باديو يرى أن الرياضيات ليست مجرد أداة تُستخدم لتوصيف الظواهر الطبيعية، بل هي شكل من أشكال الفكر الفلسفي بامتياز، فهي تمثّل لديه لغة التجريد التي تستطيع تجاوز الواقع الملموس للوصول إلى حقائق أكثر عمقًا، مما يجعلها جزءًا من مشروع الفلسفة في البحث عن "الحقيقة".، وبذلك فهو يستلهم الرياضيات ليس كعلم مستقل فقط، بل كأداة فلسفية قادرة على إعادة تعريف الحدود التقليدية للمعرفة.


2. تجربة الجمال في الرياضيات:

يؤكد باديو أن الرياضيات ليست علمًا جافًا أو خاليًا من الجمال، بل تحتوي على بُعد جمالي عميق ينبع من:

  • البنية والتناغم: الرياضيات، من خلال أنظمتها الصورية، تقدم أشكالًا من الجمال الشكلي والتناغم الذي يظهر في نظريات مثل الهندسة الإقليدية، أو في البساطة الأنيقة لنظرية فيرما الأخيرة.
  • الإبداع الرياضي: يعتبر باديو أن الإبداع الرياضي، مثل إنشاء نماذج رياضية جديدة أو ابتكار براهين ذكية، يعكس جمالًا فنيًا يماثل الإبداع في الأدب أو الموسيقى.

3. الرياضيات كممارسة للحقيقة:

  • يرى باديو أن الرياضيات هي "فن الحقيقة" لأنها تتعامل مع قضايا تتجاوز حدود التجربة المادية وتبحث عن البنى المجردة التي تكشف عن جوهر الكون.
  • يؤكد أن الرياضيات تمتلك استقلالية فكرية تجعلها أداة قوية للفلسفة في استكشاف المفاهيم المطلقة مثل "اللانهاية" و"الوجود"، وهي قضايا تقع في صميم الفلسفة.

4. العقلانية في الرياضيات والجماليات:

  • في دفاعه عن الرياضيات كفلسفة، يشير باديو إلى العلاقة الوثيقة بين العقلانية والجمال.
    • العقلانية الرياضية تكمن في دقتها ومنطقها الصارم.
    • الجمال يظهر في بساطة النماذج الرياضية وعمقها، إذ أنها تقدم لنا أدوات لفهم الكون بتصورات مبهرة.
  • هذا التداخل بين العقلانية والجمال يجعل من الرياضيات نموذجًا فريدًا للفكر الإنساني.

5. الفلسفة تحتاج الرياضيات:

  • باديو يذهب إلى القول إن أي فلسفة طموحة لا يمكن أن تتجاهل الرياضيات.
    • الرياضيات تُزوّد الفلسفة بقوة عقلانية قادرة على مواجهة التحديات المعرفية.
    • في الوقت نفسه، تقدم الفلسفة للرياضيات بُعدًا تأمليًا يتجاوز الاستخدام العملي إلى التفكير في أسئلة أكثر عمقًا، مثل حدود المعرفة وإمكانات التفكير البشري.

6. أمثلة على دفاعه عن الرياضيات:

  • فكرة اللانهاية: يرى باديو أن الرياضيات استطاعت التعامل مع مفهوم اللانهاية بطريقة صارمة وجميلة في آنٍ واحد، مثل تطوير مفهوم "الأعداد الكاردينالية" في نظرية المجموعات.
  • التجريد والبراهين: يشير إلى أن البراهين الرياضية ليست مجرد أدوات للإثبات، بل هي في ذاتها ممارسات إبداعية وفلسفية تعكس عمق الفكر الإنساني.

7. الرياضيات والكونية:

  • باديو يرى أن الرياضيات هي لغة كونية تتجاوز الثقافات واللغات، مما يجعلها نموذجًا للتفكير الكوني.
  • هذه الكونية تُعطي الرياضيات قوة فلسفية لأنها تسمح لنا بالتفكير في الوجود بطريقة تتجاوز الحواجز البشرية المألوفة.

8. كيف يمكننا أن نتعلم من باديو؟

  • التركيز على البعد الجمالي للرياضيات يمكن أن يُعيد تشكيل الطريقة التي نُعلم بها هذا العلم، مما يجعل الرياضيات أكثر إلهامًا وقربًا من الفلسفة.
  • إعادة التفكير في الرياضيات كأداة للتأمل الفلسفي يمكن أن يُساهم في تحسين فهمنا لقضايا مثل الحقيقة والوجود والعقلانية.

خلاصة:

دفاع آلان باديو عن الرياضيات كفلسفة ينبع من إيمانه بأن هذا العلم يذهب أبعد من مجرد الحسابات  والبرمجيات. إنه نموذج للتفكير الإنساني الذي يجمع بين الدقة الجمالية والعقلانية الصارمة، ما يجعل الرياضيات  أكثر من مجرد أداة علمية: إنها تجربة فلسفية غنية تعكس قدرة الإنسان على السعي وراء الحقيقة والجمال في آنٍ  واحد.

مقابلة مع الفيلسوف آلان باديو: «لا يمكن للفيلسوف أن ينافس عالم الرياضيات في مساره صوب الحقيقة»

 بقلم:  فيليب دوركس وماتيو بلارد

ترجمة: مرسلي لعرج، قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة ،الجزائر

آلان باديو، الفيلسوف الذي يحب الرياضيات، المراجع والمصوب من طرف بيير كارتييه، عالم الرياضيات الذي يحب الفلسفة؟ هذا هو الرأي المقدم من "ليبراسيون" بشأن الباحثين.  فإذا كانت الحقيقة تشغل الاثنين معا، فإن عالم الرياضيات هو الوحيد الذي سيعرف يوماً ما بأنه على حقً. ومن هنا يأتي هذا الافتتان والرغبة في التقريب بين هذين العلمين، والذي يتباعد كل واحد منهما عن الآخر بشكل متواصل.

في الرياضيات، يجب أن نعترف بنظرة الآخرين الذين يبحثون عن العيوب والثغرات في تحليل رياضي. لذلك طلبنا من بيير كارتييه، وهو مساعد بورباكي منذ فترة طويلة، عالم الرياضيات المتعدد الرؤوس(مجازا) الذي أعاد صياغة الرياضيات الحديثة، قراءة كتاب “مديح الرياضيات “، الذي نشره للتو آلان باديو. ولهذا فإن الفيلسوف الماركسي دعا في هذا الصدد إلى التذكير بترتيب الخمس نقاط التالية: دور التاريخ، تجاوز الحقيقة الرياضية، والأرستقراطية التي يرسخها علماء الرياضيات، ونشر الرياضيات، وتقدم الفكر. ولكن كيف يستطيع عالم الرياضيات أن يدحض فكرة تحول الرياضيات إلى شيء ما «غير العامل المزعج في الانتقاء والاصطفاء الاجتماعي» وأن تندمج في الثقافة شأنها شأن ملحمة هوميروس؟

نص المقابلة مع آلان باديو

لماذا الافتتان بالرياضيات؟

كان والدي عالم رياضيات، وهو السبب الذي يشكل دليلا على ذلك، ولكنه ربما كان السبب الأقوى. ثم كان لدي أساتذة جيدون في الصفوف الأولى والثانية والنهائي. وأثارت هذه الاهتمام بالمشاكل وليس فقط بالنتائج الصحيحة. أعتقد أن هذا هو العنصر المفتاحي إلى تعلم الرياضيات. وأخيراً، كنت أتصور في وقت مبكر للغاية أن هناك صلة عميقة بين الرياضيات والفلسفة. أفلاطون وليبنز وديكارت كانوا علماء رياضيات رفيعي المستوى. ويؤكد كانت وسبينوزا أن الفلسفة بما هي كعلم والراغبة في العقلانية ترتبط ارتباطاً وثيقا بالرياضيات. وألاحظ أن هذا الارتباط غير مشدود.

هل نحتاج إلى إعادة ربط الفلسفة بالرياضيات؟

علينا أن نفعل ذلك. وفي محادثة أجريتها مع جان ديودونيه [عالم الرياضيات في قلب مجموعة بورباكي التي أعادت إحياء الرياضيات الحديثة بعد عام 1945، ندلر]، وهو المحافظ قال: «إن الفلاسفة يتصرفون كما لو كان من المستحيل تماماً اختراق الرياضيات، وهذا خطأ مطلق، إذا عملت قليلا، فبوسعك أن تحقق ذلك». أعتقد أن هذا صحيح. كانت الرياضيات دوماً قارة يصعب ولوجها. الهندسة في الفضاء كانت معقدة للغاية بالنسبة ليونانيي زمن أفلاطون. كما هو الحال بالنسبة لحسابات التفاضل في وقت ليبنيز،الهندسة الجبرية بعد غروثنديك ليست ابتدائية على الإطلاق، ولكن يجب أن نحاول.

هل ينبغي أن نفهم جوهر الرياضيات، ودقة علماء الرياضيات؟

يجب تقبل عدم التمتع بنظرة خارجية. لا يكفي أن تكون متفرجا، يجب أن تجرب المسار، جوهر الرياضيات هو مسار التفكير، تعاطي فلسفة الشعر أو الموسيقى الذي يمكن القيام به لا يقود المرء إلى أن يصبح شاعرا أو موسيقيا، ولكن لا يمكنك أن تخترق الطبيعة العميقة للرياضيات من دون أن تكون خبيراً رياضيا. إنها مسألة تجربة العلاقة الخاصة جدا بين المسار والنتيجة، بين الظلام والضوء، إذا لم يكن لديك متعة فهم التحليل الرياضي للنظرية، وبعد أن تضل، لا يمكنك أن تقول إنك في مجال الرياضيات.

أنت تشير إلى موقف أرستقراطي من علماء الرياضيات…

أنا أتحدث عن المؤسسين، ولكننا لا نستطيع أن نتمسك بذلك كمأخذ عليهم، ووضع مطلب اشتراط راديكالي، بالإضافة إلى ذلك، يجب على أولئك الذين يحللون النظرية أن يوافقوا على الحكم عليهم من قبل عدد صغير من الزملاء القادرين على فههم. وهذا يعني أنها لا محالة أرستقراطية. وفي المقابل إن ما يمكن القيام به هو تعليم المزيد من الناس طعم الرياضيات، ولكن من المؤسف أن الرياضيات أصبحت عامل انتقاء اجتماعي مزعج. نحن نضيع كنزا من التفكير، وسيلة لتحقيق فرحة عظيمة ونقية جدا.

هل المنهج الرياضي قابل للتطبيق على الفلسفة؟

علاقة الفلسفة بالرياضيات ليست علاقة تقليد. ولا يستطيع الفيلسوف أن ينافس عالم الرياضيات في رحلته ومساره صوب الحقيقة. عندما يقدم ديكارت دليلاً على وجود الله، لا أعتقد أنه يعتبر هذا الدليل هو بنفس طبيعة الدليل في الجبر الهندسي. في الرياضيات، البرهان هو البرهان. في الفلسفة، يشكل البرهان اقتراحاً بتقديم تفسير معقول، أنا لست متأكدا من أن سبينوزا يبني “الأخلاقيات” كتفكير هندسي عند كتابتها، إنه مقتنع بإنجاز عمل مماثل لمبادئ إقليدس. سآخذ نظرية أحبّها كثيرا: «الندم ليس فضيلة»، أنا لست متيقنا من أنّ سبينوزا يعتبر بأنه قد برهن على هذه النقطة بالمعنى الرياضي. وأود أن أقول إنه وضعها في نظام وترتيب، مصدره المبادئ لإٌقليدس.

الرياضيات علم ديمقراطي والتي نجعل منها أداة للانتقاء الاجتماعي.

وهذا التناقض هو الذي يجب النظر فيه. فكيف يمكن لتخصص والذي تكتمل فيه المساواة بين الناس أن يصبح نخبويا إلى هذا الحد.

ما سبب ذلك؟

التعليم على نطاق واسع غير ملائم، فهو غير موجه على الإطلاق لدمج الرياضيات كعنصر من عناصر الثقافة العامة، على غرار الأدب. إن جعل شخص ما يفهم العرض الدقيق لنظرية مهمة هو أمر ضروري للثقافة العامة مثلما هو الحديث عن الأوديسيا.

وعلى العكس من ذلك، فأنت لست مقتنعاً بديمقراطية علم الحساب؟

إشراك عدد في دالة،أين يتعين علينا قبول بأنها تبسيط اتفاقي. ولا يوجد سبب بأن الأغلبية هي على حق. وعلى أية حال، فإن عالم الرياضيات سيرفض التفكير في ذلك. هذا يقودنا إلى القول، بأن التجربة أثبتت أننا عندما عندما نلامسها، لا نعرف جدا إلى ما يمكن أن تفضي إليه، بالفعل يجب أن تكون لديك فكرة توجيهية، توجيه.

هل تقوم بالرياضيات؟

أحاول القيام بذلك بشكل منتظم. في الوقت الحالي، يهمني أحدث التطورات في نظرية اللامتناهي، أو بالأحرى اللامتناهيات، لأن هناك العديد من الأنواع.

هل جربتم فرحاً مماثلاً لفرح علماء الرياضيات؟

بالتأكيد. لقد حدث في سن مبكرة للغاية، عندما أدركت الطبيعة الحقيقية لنظرية إقليدس: “هناك نهاية للأعداد الأولية”. وهذا ما زال مستمراً إلى يومنا هذا، حينما أعطي الاعتبار للمنظر الطبيعي المهيب للامتناهيات المأريضة.أنا أدخل في آخر تطورات نظرية اللامتناهي.

كفيلسوف، هل اختبرت هذا النوع من الفرح؟

كلا نوعيا إنه ليس نفس الفرح. في الفلسفة، الفرح غير مباشر. نحن نسعد عندما نفهم سبب الفرح. تفرح عندما نفهم سبب وجود فرحة رياضياتية. أعتقد، اغفر لي التعبير، إن الفيلسوف هو اسقمري الحقائق. إن عالم الرياضيات يلمس الحقيقة في حد ذاتها.

INTERVIEW

Alain Badiou : «Le philosophe ne peut pas rivaliseravec le mathématicien dans le cheminement vers la vérité »

Par Philippe Douroux et Mathieu Blard — 16 septembre 2015 à 17:06 Journal Liberation


 

 

في مديح الرياضيات (4)

 

فلسفة ورياضيات أو قصة زوج قديم (2) 

بعد الإغريق، ذكرتَ أن الفلاسفة الكلاسيكيين أبدوا دائمًا اهتمامًا عميقًا بالرياضيات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان لهذا الاهتمام تأثير حقيقي على أنظمتهم الفكرية؟

من المثير للاهتمام أن نتأمل الأسباب التي قدمها الفلاسفة أنفسهم لشرح أهمية الرياضيات.

لنأخذ مثالًا على ذلك، مؤسس الفلسفة الحديثة، ديكارت. وكما ذكرت، كان ديكارت عالم رياضيات بارعًا. ما استخلصه ديكارت من الرياضيات وأدخله في مشروعه الفلسفي واضح للغاية: إنه النموذج المثالي للبرهان. بالنسبة لديكارت، يجب أن يتخذ النص الفلسفي شكل "سلاسل طويلة من الأسباب"، وهو أسلوب يميز الرياضيات في جوهرها. لكن يمكننا أيضًا القول إن ديكارت استخدم منهج البرهان بالخلف . فعندما أراد إثبات وجود شيء ما، كالعالم الخارجي مثلًا، لم يلجأ إلى البرهان المباشر. بل اختلق فكرة الشك "المطلق"، أو ما سماه الشك "الزائدي"، وهو شك يتجاوز حدود التجربة والعقل إلى درجة إنكار كل حقيقة وكل تجربة. لكنه لاحظ، في المقابل، أن فعل الشك نفسه لا يمكن التشكيك فيه. وهنا ظهر الـ Cogito الشهير، الذي أسس "نقطة" حقيقة (الـ  "أنا موجود")  ، عن طريق نفي النفي المطلق المتمثّل في الشك. علاوة على ذلك، لإثبات وجود الله، قدم عدة براهين، وهذه المرة كانت براهينه ذات طبيعة بنّاءة. مثلًا، انطلاقًا من كونه يمتلك فكرة عن اللانهاية رغم كونه كائنًا محدودًا، استنتج بالضرورة وجود كائن غير محدود (الله) هو مصدر هذه الفكرة. صحيح أن تفاصيل هذا البرهان معقدة، لكنها أقرب إلى النهج الرياضي في دقتها ومنهجيتها. بذلك، نجد أن الرياضيات، بالنسبة لديكارت، كانت حاضرة في كل أبعاد فلسفته، كنموذج مثالي للتفكير العقلاني.

خذ مثلا سبينوزا، دائما في القرن السابع عشر. يبدأ  الأخلاق (l’Ethique) بالقول أنه لو لم تكن هناك رياضيات لظل الإنسان جاهلا، خاصةً لأنه كان سيواصل تفسير كل شيء من خلال "العلل الغائية" «، الأساطير،و تدخل قوى خارقة للطبيعة. بذلك يدرج سبينوزا أخلاقه بنفسه في فكرة أنها، إلى حد ما تُعتبر، نتيجة محتملة لوجود الرياضيات. إن دور الرياضيات الرئيسي، بالنسبة له، هو أنها فندت مصداقية التفسيرات المعتمدة على العلل الغائية، وأنها أزالت الغائية من الحقل الفلسفي، والتي كانت لما تزل مهمًة جدًا في التقليد الأرسطي، واكتفت بالتسلسلات الاستنتاجية. يميز سبينوزا، كما يفعل أفلاطون، ثلاثة أنواع من المعرفة: الأول هو مزيج من التمثل الحساس والخيال، انه ما يمكن أن نسميه الجهل العادي. الثاني هو المعرفة المفاهيمية المنظمة، البرهان نقطة بنقطة، ونموذج هذا النوع هو الرياضيات. الثالث هو الاتصال الحدسي بالله، الذي هو اسم الطبيعة، أو الكلية، وهذا النوع هو المعرفة الفلسفية الحقة. لكن سبينوزا يؤكد أنه بدون الوصول إلى النوع الثاني، لا يمكن حتى مجرد التفكير في الوصول إلى الثالث. وفيما تبقى، قام بترتيب كتابه تمامًا مثلما كان تُرتب الأطروحات الرياضية في عصره، على نموذج عناصر إقليدس: تعاريف، مسلمات، افتراضات ... وهكذا كانت الفلسفة تٌعرض  في نمط هندسي more geometrico. هذا يدل على العلاقة الحميمة بين الفلسفة والرياضيات.

ماذا قال كانط عن الرياضيات قرنا بعد ذلك ؟ في مقدمة نقده للعقل الخالص، يكرر ضرورة الرياضيات المطلقة حتى توجد الفلسفة، ولا سيما الفلسفة النقدية التي ينوي تأسيسها ، في خضم التنوير. السؤال الحاسم الذي يطرحه، "من أين تأتي الميزة العالمية للعلم؟" "، لم يكن له أن يُطرح لو لم يكن هناك علم، و لو لم تكن هناك رياضيات لما كان هناك كذلك علم طبيعة كما برهن على ذلك نيوتن. ويضيف أيضًا، وهذا ما يؤثر فيّ دائمًا، أن اختراع الرياضيات هو نتيجة "عبقرية رجل واحد"، وهو طالس في رأيه. كانط يريد أيضًا أن يُبيّن أن ظهور الرياضيات لم يكن ضرورة تاريخية، بل هو  حالة ابتكارية طارئة. لم يتم ابتكار الرياضيات كي يتسنى لكانط  طرح السؤال الحاسم عن أصل عالمية العقلانية، بل تم ابتكارها صدفة، يوما ما، عن طريق عبقرية رجل واحد. كما لو أنها كانت جمالية عرضية. لكن هذه الحالة العرضية تخلق إمكانية السؤال النقدي، الذي يحدد المشروع الفلسفي.

من الضروري أيضًا إضافة نقطة، والتي تتوقع استخدام المفهومين الممكنين للرياضيات، المفهومين المتنازعين منذ قرون واللذين سنتحدث عنهما لاحقا: المفهوم الواقعي (أو الأفلاطوني)، الذي يقول أن هدف الرياضيات موجود خارجنا، والصوري، الذي يقول أن الرياضيات هي ابتكار خالص، ولا سيما ابتكار لغة رسمية خاصة. مفهوم الرياضيات لدى كانط، هو مفهوم استباقي « apriorique »، وهو ما يعني أن تنظيم الفكر الرياضي لا يأتي من التجربة الملموسة، ولكنه سابق لها،  أي أنه موجود مُسبقا، قبلي(a priori) وليس مؤخرا/بعدي (a posteriori) نسبة إلى التجربة. باختصار، يؤكد كانط أن ما هو على المحك في العلوم الرسمية - وأيضًا ، ولكن هذا سؤال آخر، في العلوم التجريبية - هو مسألة تنظيم ذاتي للمعرفة الإنسانية، وما يسميه الموضوع المتعالي. إذا كانت العقلانية عالمية، فإنها ليست كذلك لدى كانط لكونها تمس واقعا، بل هي عالمية لأنها تشير إلى بنية عالمية للذاتية المعرفية نفسها. إذا كان الجميع متفق على البرهان الرياضي، فذلك ليس لأنه يشير إلى شيء ما  يمكنه أن يمس شيئا في ذاته أو إلى واقع العالم، بل لأن البنية الفكرية للإنسان تخضع إلى نموذج فريد من نوعه، بحيث ما سيكون برهانا بالنسبة لشخص ما سيكون برهانا  بالنسبة للآخر.

أعتقد أن الأمر يتعلق هنا بنسخة معقدة من الأطروحة الصورية. لاحقا، بالنسبة إلى فيتغنشتاين، سوف لن تكون الرياضيات سوى لعبة لغوية ضمن لعبات أخرى، والتي يجب ألا تكون مطلقة. لم يكن كانط يقول بذلك، لأن الرياضيات كانت بالنسبة له عالمية حقًا ولا يمكن مجادلتها لأجل أفهام كأفهامنا. ومع ذلك، فهي صورية على كل حال، صورية متعالية: ليست الرياضيات عالمية لأنها تُخضع قيد التفكير بُنى صورية  للوجود كوجود، ولكن لأنها لغة مشفرة بنفس الطريقة  بالنسبة للجميع.

ومع ذلك، فبالنسبة لكانط كما بالنسبة إلى ديكارت أو سبينوزا، فإن الرياضيات، بمجرد أن ابتكرها طالس، فتحت طريق العلم اللامتناهي، ولو لم تكن موجودة – ليكن في علمنا، أن الإنسان كان موجودا لعشرات الآلاف من السنوات عندما اخترع الإغريق الهندسة والحساب البرهانيين -، لم يكن بالمقدور التعبير عن السؤال الفلسفي (من قال بوجود أحكام صحيحة عالميا؟) أو انه كان سيبقى دون إجابة.

 


في مديح الرياضيات (3)

 

 فلسفة ورياضيات أو قصة زوج قديم

أود أن نبحث عن كثب في الروابط بين الفلسفة والرياضيات. لقد ذكرت سابقًا أنهما كانا "زوجًا قديمًا": فقد كتب أفلاطون في مدخل أكاديميته: "لا يدخل هنا من ليس هندسيًا". كيف يمكننا تفسير هذه العلاقة؟

في الواقع، كانت الرياضيات والفلسفة مرتبطتين منذ نشأتهما، إلى درجة أن مجموعة من الفلاسفة المعروفين – أفلاطون، وكذلك ديكارت، سبينوزا، كانت، وسيرل – أعلنوا رسميًا أنه لولا الرياضيات، لما كانت هناك فلسفة. إذًا، كانت الرياضيات في وقت مبكر جدًا – وبشكل واضح لدى أفلاطون – تُعتبر شرطًا مسبقًا لولادة الفلسفة العقلانية. لماذا؟ ببساطة لأن الرياضيات كانت مثالًا على عملية معرفية، إذا جاز لي القول، "قائمة بذاتها". أي عندما يكون لديك برهان، فإنك بالفعل تمتلك برهانًا! وهذا يختلف تمامًا عن الحالة التي تكون فيها الحقيقة مُقرّة من قبل كاهن أو ملك أو إله. فالكاهن أو الملك أو الإله على صواب لأنهم كهنة أو ملوك أو آلهة. وعلاوة على ذلك، إذا كنت تخالفهم، فسوف تُعلم بذلك سريعًا... بينما بالنسبة لعالم الرياضيات، الأمر ليس كذلك على الإطلاق: فهو ملزم ببناء عملية معرفية ستُعرض على زملائه وخصومه. وإذا كان برهانه خاطئًا، سيُخبَر بذلك.

لذلك، شُكّلت الرياضيات منذ وقت مبكر جدًا، منذ اليونان القديمة، عالمًا تُعتبر فيه الأشياء صحيحة ومعترف بها فقط إذا تم توثيقها وقبولها من قبل مجتمع الأشخاص الذين "يعرفون ما يتحدثون عنه"، وليس بسبب مجرد السلطة التي تترتب على كون الشخص "عالم رياضيات". على العكس، فإن عالم الرياضيات هو الذي يقدم للمرة الأولى مفهومًا عالميًا، خاليًا تمامًا من أي افتراضات أسطورية أو دينية، والذي لم يعد يأخذ شكل السرد، بل يتخذ شكل البرهان. الحقيقة المبنية على السرد هي "الحقيقة" التقليدية، الأسطورية أو المُعلنة. تُزلزل الرياضيات جميع السرديات التقليدية: البرهان يظهر باعتباره مستندًا فقط إلى العرض العقلاني، مفتوحًا للجميع ويمكن دحضه من حيث مبدئه نفسه، بحيث يجب على من أعلن بيانًا تبين أنه كاذب أن يعترف بذلك. ومن هذه الزاوية، تشارك الرياضيات في الفكر الديمقراطي، الذي ظهر أيضًا في اليونان في نفس الوقت الذي ظهرت فيه الرياضيات. كما أن الفلسفة لم تستطع أن تتكون في استقلالها – والتي لا تزال مهددة دومًا – عن السرد الديني إلا بفضل هذا الدعم الرسمي، الذي كان بلا شك مرتبطًا بمجال محدود من الفكر، ولكنه مجال ذو معايير مستقلة تمامًا، معايير واضحة يمكن للجميع معرفتها. كان يجب أن يكون البرهان برهانًا، وهذا كل شيء. ومن ثم، فإنه من الصحيح منذ البداية أن هناك ارتباطًا بين الرياضيات والديمقراطية (بالمعنى السياسي الحديث المعارض للسلطات التقليدية) والفلسفة.

إذن، هل وُلدت الرياضيات تاريخيًا قبل الفلسفة؟

إنها قصة معقدة وغير موثقة بشكل كافٍ. أشارك الرأي مع مؤرخ وفيلسوف العلوم أرپاد سزابو (Arpad Szabo): إذا تأملنا بعمق في فكر بارمينيدس، أو المدرسة الإيلية بأكملها (المكونة من سكان إيليا)، التي سبقت سقراط وأفلاطون وتعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، يمكننا أن نجد فيها تأثيرًا عميقًا لأساليب تفكير تحقق كمالها في الرياضيات. ومن بين هذه الأساليب نجد البرهان بالخُلف، والذي أعتبره عنصرًا حاسمًا في القوة العقلية التي قدمتها الرياضيات في ذلك الوقت. لقد درستُ هذه النقطة بالتفصيل خلال الندوة التي عقدتها في عامي 1985-1986 والتي خُصصت بالكامل لبارمينيدس. ببساطة، يهدف البرهان بالخُلف إلى إثبات صحة عبارة ما p ، ليس عبر بناء حقيقتها بشكل مباشر انطلاقًا من حقائق مُثبتة سابقًا، بل عبر إظهار أن العبارة المناقضة لها لا- p خاطئة بالضرورة. يتم تطبيق مبدأ "الثالث المرفوع" هنا، والذي ينص على: "إذا كانت لدينا العبارة p ، وهي عبارة مُركبة بشكل جيد (تتبع قواعد النظام النحوية)، فإن p  إما أن تكون صحيحة أو  لا- p  صحيحة. لا يوجد احتمال ثالث." إنه إجراء استثنائي، لأنه يُثبت صحة العبارة بينما يتحرك بالكامل ضمن فرضية خاطئة. لكن كيف يمكننا إثبات أن لا- p   خاطئة؟ بكل بساطة، نفترض أن لا- p   صحيحة، ثم نستنتج من ذلك نتائج تتناقض مع حقائق مثبتة مسبقًا. وهنا يُطبق مبدأ عدم التناقض: بما أن لا- p   تتناقض مع عبارة أخرى q والتي هي صحيحة، وبما أن عبارتين متناقضتين لا يمكن أن تكونا صحيحتين معًا، فإنه يتوجب أن تكون لا- p   خاطئة، وبالتالي تكون p  صحيحة.

تشاهد المسار المذهل للإثبات: ترغب في إثبات أن  p   صحيح، ولديك أسبابك (هي فرضيتك). لتحقيق هذا الهدف، تقوم باختراع "خيال" مفاده أن " لا- p   صحيحة"، مع أمل داخلي بأن هذا الافتراض خاطئ! لتغذية هذا الأمل، تبدأ باستخلاص نتائج من هذا الافتراض الخيالي، وتتحرك بمنطق صارم عبر ما تعتقد أنه خطأ، إلى أن تصل إلى نتيجة تتناقض صراحة مع عبارة سبق إثبات صحتها. هذا التنقل المنظّم والخاضع للرقابة بين الصواب والخطأ هو، في رأيي، سمة جوهرية للرياضيات الناشئة، والتي تُحدث قطيعة واضحة مع أي حقيقة "معلنة" أو تستمد قوتها فقط من الطابع الشعري. نجد هذه "النغمة" ذاتها عند بارمنيدس. ونجده لأنه، لإثبات أن "الوجود موجود" وأن هذه هي الحقيقة الأساسية، يبدأ أولًا بإثبات أن "العدم غير موجود". وبذلك، فهو يستعمل منهج البرهان بالخلف. استنتاجي واضح: الفلسفة العقلانية والرياضيات وُلدتا معًا، ولا يمكن أن يكون الأمر على غير ذلك.




السابق                                التالي


في مديح الرياضيات (2)

 

يجب انقاد الرياضيات

آلان باديو، أنت تشكل ما يمكنني تسميته، باستخدام مصطلح رياضي، "وحدانية" في المشهد الفكري الفرنسي.
بالطبع، هناك التزامك السياسي الذي أصبح معروفًا للجمهور منذ عام 2006 بفضل نجاح كتاب من أين استقى ساركوزي هذا الإسم؟ اليوم، تمثل واحدة من آخر الشخصيات العظيمة للمفكرين الملتزمين، وأنت من أكثر منتقدي ديمقراطياتنا الليبرالية قسوة، المدافع الذي لا يكل عن الفكرة الشيوعية، والتي ترفض رميها مع "ماء الاستحمام التاريخي".

لكن من منظور فلسفي أكثر تحديدًا، فإن العمل الذي أنجزته يعد أيضًا فريدًا. في وقت تتجه فيه الفلسفة نحو نوع من التخصص الضيق، متخلية عن طموحها الأصلي، لم تتوقف أبدًا عن السعي لإعادة إحياء الميتافيزيقا، من خلال بناء نظام يقدم نفسه كتوليفة شاملة حول العالم والوجود. هذه الفلسفة، التي تطرح بشكل رئيسي في الوجود والحدث، ثم في منطقيات العوالم، تعتمد بشكل كبير على الرياضيات. في هذا الصدد، أنت واحد من الفلاسفة المعاصرين القلائل الذين يأخذون الرياضيات على محمل الجد، وليس فقط في الحديث عنها كفيلسوف، بل أيضًا في ممارستها بشكل يومي تقريبًا.

يمكنك أن تبدأ بشرح لنا من أين تأتي هذه العلاقة القوية مع الرياضيات؟

لقد حدث ذلك قبل حتى أن أولد! وذلك ببساطة لأن والدي كان أستاذًا في الرياضيات. لذا، هناك "وصمة اسم الأب"، كما يقول لاكان. في الواقع، كان لذلك تأثير كبير، لأنني كنت أسمع عن الرياضيات في عائلتي – بين والدي وشقيقي الأكبر، وبين والدي وزملائه، وهكذا – في نوع من "التشريب البدائي"، دون أن أفهم الكثير مما يجري في البداية، لكنني كنت أدرك أنه كان هناك نوع من الاهتمام الحاد والغريب في الوقت ذاته. هذه هي الخطوة الأولى، قبل ولادتي، إذا جاز لي القول.


بعد ذلك، كطالب، تأثرت بالرياضيات منذ اللحظة التي بدأنا فيها تقديم بعض البرهانات الدقيقة. يجب أن أقول إن ما جذبني حقًا هو الإحساس بأنه، عندما نمارس الرياضيات، كأننا نسير في طريق ملتوي ومعقد جدًا، بين مفاهيم وأفكار متعددة، لكن هذا الطريق يؤدي، في لحظة ما، إلى نوع من الفضاء الرائع المضيء. هذا الإحساس الجمالي شبه التام بالرياضيات لفت انتباهي في وقت مبكر جدًا. أعتقد أنني يمكنني هنا أن أذكر بعض النظريات في الهندسة المستوية، وبخاصة الهندسة اللامتناهية للمثلث، التي كنا نتعلمها في الصفين الثالث والثاني. أذكر على سبيل المثال الخط المستقيم لأويلر. كان المعلم يشرح أن الارتفاعات الثلاثة للمثلث تتقاطع في نقطة H، وكان هذا جميلاً بالفعل. ثم تبيّن أن الخطوط الوسطى تتقاطع أيضًا في نقطة O، وهكذا تزداد الأمور روعة! وأخيرًا، اتضح أن الوسائط الثلاثة تتقاطع في نقطة G! رائع. لكن بعد ذلك، وبأسلوب غامض، أشار المعلم إلى أنه يمكننا إثبات، كما فعل عالم الرياضيات العظيم أويلر، أن هذه النقاط H و O و G تقع جميعها على نفس الخط، الذي نطلق عليه بالطبع "خط أويلر"! كان ذلك غير متوقع وأنيق جدًا، هذا الاصطفاف بين ثلاث نقاط أساسية، كجزء من خصائص المثلث! لم نكن نعرض البرهان، لأنه كان يعتبر معقدًا جدًا في الصف الثاني، لكننا شعرنا برغبة في اكتشافه. أن أتمكن من إثبات شيء كهذا أسعدني للغاية. هناك فكرة عن اكتشاف حقيقي، ونتيجة مدهشة، مقابل مسار قد يكون صعبًا في بعض الأحيان، ولكن عندما نصل إلى النهاية، فإن المكافأة تكون لا مثيل لها. غالبًا ما قمت بمقارنة الرياضيات في وقت لاحق بالتنزه في الجبال: المسير طويل ومتعب، مع الكثير من المنعطفات، والتضاريس شديدة الانحدار، نعتقد أننا وصلنا، لكن هناك دائمًا منعطف آخر... نحن نتعرق، ونتعب، ولكن عندما نصل إلى القمة، تكون المكافأة غير قابلة للمقارنة حقًا: هذا الشعور بالدهشة، والجمال النهائي للرياضيات، الجمال الذي تحقق بالتأكيد، الذي لا مثيل له. لهذا السبب أستمر في الدفاع عن الرياضيات من هذه الزاوية الجمالية. بل وأذكر أن هذه زاوية قديمة جدًا، حيث كان أرسطو يعتبر الرياضيات في الحقيقة، لا كحقيقة بقدر ما هي جمال، مشيرًا إلى أن عظمة الرياضيات هي من النوع الجمالي، أكثر بكثير من كونه ميتافيزيقيًا أو أنطولوجيًا.

ثم اقتربت أكثر من الرياضيات المعاصرة، بعد قضائي العامين الأولين في دراسة الرياضيات في الجامعة. كان ذلك بين عامي 1956 و 1958، خلال أول عامين لي في المدرسة العليا. جمعت بين الاكتشافات الفلسفية الكبيرة (كان هيبوليت وآلتوسير وكانغيلهم أساتذتي في تلك الفترة) ودروس الرياضيات في جامعة السوربون، بالإضافة إلى مناقشات هامة مع طلاب الرياضيات في ENS. ومن تلك اللحظة، وربما بسبب أجواء البنيوية والستينات، حيث كانت للتخصصات الرسمية صدى كبير، بدأت أقتنع فعلاً أن الرياضيات في جدلية وثيقة مع الفلسفة – على الأقل كما كنت أفهمها. ذلك لأن الرياضيات كانت تقع عند مفترق طرق اهتماماتي. الهياكل هي في المقام الأول تخصص علماء الرياضيات. فقد لجأ الأنثروبولوجي الكبير ليفي شتراوس، الذي كنت أقرأه بشغف في ذلك الوقت، إلى عالم الرياضيات ويل في نهاية كتابه العظيم "الهياكل الأولية للقرابة"، ليظهر أن عملية تبادل النساء تصبح واضحة إذا استخدمنا نظرية المجموعات الجبرية. ومع ذلك، في ذلك الوقت، كان توجهي الفلسفي يتطلب إتقان هياكل مفاهيمية واسعة. بالإضافة إلى ذلك، وبفضل قوتها الجمالية والاختراع الذي تتطلبه، فإن الرياضيات تستوجب أن نصبح موضوعات، بحيث تتطلب حريتنا التي، بدلاً من أن تتعارض مع الانضباط، تتطلبه. في الواقع، عندما تعمل على حل مشكلة رياضية، فإن اختراع الحل – وبالتالي الحرية الإبداعية للعقل – ليس مجرد تجوال عشوائي، بل هو تحديد مسار دائمًا ما يكون محاطًا، بطريقة أو بأخرى، بالالتزامات الخاصة بالتماسك الشامل والقواعد البرهانية. تحقق رغبتك في إيجاد الحل ليس ضد القانون العقلي، بل بالتوازي مع محظوراته ومساعدته. وهذا ما بدأت أفكر فيه، أولاً مع لاكان: الرغبة والقانون ليسا متعارضين، بل هما متطابقان جدليًا. وأخيرًا، تجمع الرياضيات بشكل فريد بين الحدس والإثبات، وهو ما يجب أن يفعله النص الفلسفي أيضًا بقدر الإمكان."

سأنهي بالقول إن هذا التفاعل المستمر بين الفلسفة والرياضيات كان يخلق في داخلي نوعًا من الانقسام... وربما يكون كل عملي مجرد محاولة لتجاوز هذا الانقسام. لأن معلمي في الفلسفة، الذي كشف لي عن الفلسفة، كان سارتر. كنت سارترِيًّا مقتنعًا. لكن، بصراحة، الرياضيات وسارتر، كما تعلمون، لم يكونا متوافقين تمامًا... كان لديه حتى قول غليظ كان يكرره عندما كان شابًا في ENS: «العلم هو ثقب البندقية. والأخلاق هي جلد البندقية». بالطبع، لم يلتزم بهذا القول البسيط، لكنه لم يُرَ أبدًا يعود بشكل جاد إلى العلوم، ولا سيما العلوم الرسمية. ولذلك، نشأت في نفسي القناعة بأن الفلسفة يجب أن تكون قادرة من جهة على الحفاظ على بُعد الموضوع، بُعد الموضوع المتورط، ذلك النوع من الدراما التاريخية التي يمكن أن تمثلها الذاتية؛ ومن جهة أخرى، يجب أن تدمج، خصوصًا في سياق عقيدة الوجود، الرياضيات في قوتها العقلانية وفي روعتها.

يمكنني تقريبًا تلخيص الأمر بالقول إن هذه المحاولة لتجاوز الانقسام هي التي تشكل حتى اليوم علاقتي بالرياضيات.

لماذا تجد أنه من الضروري اليوم مدح الرياضيات؟ بعد كل شيء، تظل هذه المادة أساسية في نظامنا التعليمي، بل هي إحدى أدوات الاختيار الرئيسية فيه. وإذا نظرنا إلى الميدالية الفرنسية في مجال فيلدز الأخيرة، التي تضعنا في المرتبة 11 بعد الولايات المتحدة مباشرة، قد نعتبر أن الرياضيات تحظى بمكانة مرموقة في فرنسا. هل لديك، من ناحية أخرى، شعور بأنها مهددة؟

كما تعلمون، لدى معظم علماء الرياضيات علاقة أرستقراطية استثنائية بمجالهم. إنهم يكتفون غالبًا بالاعتقاد أنهم وحدهم من يفهمونه، وأن هذا هو مصيرهم. إنهم في الأساس أشخاص يخاطبون أولئك القادرين على فهم أصعب البراهين في الرياضيات المعاصرة، أي زملائهم في الغالب. لذلك، نحن في مواجهة بيئة مغلقة إلى حد كبير، والتي تحاول أحيانًا، مثلما فعل سيدريك فيلاني أو قبله بوانكاريه، مخاطبة جمهور أوسع، لكن هذا يبقى استثناء

 لذلك لدينا من جهة رياضيات إبداعية وخلاقة، محصورة في عالم فكري كثيف وعالمي للغاية ولكنه شديد الأرستقراطية، ومن جهة أخرى، هناك نوع من نشر الرياضيات في المجال الأكاديمي والجامعي، والذي في رأيي أصبح أكثر غموضًا أو عدم يقين. لأنه صحيح أن الرياضيات، خاصة في فرنسا، تُستخدم كوسيلة لاختيار النخب من خلال مسابقات المدارس العلمية الكبرى. وفقًا للتعبير الذي كان يستخدمه الطلاب المجتهدون، كانوا "يكدّون في الرياضيات"، حقًا. لكن في النهاية، الهدف الأساسي من كل ذلك يبقى انتقائيًا بامتياز. هذه الوضعية قد أضرت بالرياضيات من حيث علاقتها بالجمهور العام. الغالبية العظمى من الناس، بعد اجتياز عدد معين من الامتحانات المدرسية التي قد تكون ممتعة أو غير ذلك، لا يرتبطون حقًا بالرياضيات. وفي فرنسا، يجب القول، هي ليست جزءًا من الثقافة العامة. وهذا بالنسبة لي فضيحة.

يجب أن تُعتبر الرياضيات، لا فقط كأداة مدرسية تُستخدم لاختيار من سيكون مهندسًا أو وزيرًا، ولكن كشيء يمتلك قيمة استثنائية في حد ذاته. مثل الفنون الجميلة، مثل السينما، يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من ثقافتنا العامة، لأسباب سنتناولها لاحقًا. لكن من الواضح أن هذا ليس هو الحال، بل إن الوضع أسوأ بالنسبة للسينما، وهي فضيحة قد تكون أكثر جسامة. ونتيجة لذلك، فإن الرأي حول الرياضيات ينقسم بين نوع من الاحترام البعيد لوجودها الأرستقراطي – وهو احترام يعززه الاعتراف بمنفعتها في الفيزياء أو في التقنيات – وبين جهل يُختصر في الاعتقاد بأن "ليس لدي القدرة على فهم الرياضيات". وإذا أردنا أن نستخدم تعبيرًا سيئًا، يمكننا القول أن التقسيم يتم بين الأقلية الصغيرة جدًا من "المعاقين" رياضيًا وبين الأغلبية الباقية. أعتقد أن هذا الوضع ضار، بل مؤسف. لكن قد نتمكن من رؤية أن تغيير هذا الوضع ليس بالأمر السهل. لكسر الطابع الأرستقراطي لعلماء الرياضيات، يجب إيجاد وسيلة للتوفيق بين ذكاء الصيغ الرياضية وهدفها المفهومي. وأعتقد أنه من أجل ذلك، يجب اللجوء إلى الفلسفة، التي ينبغي تدريسها في مراحل مبكرة. 

هل تشير إلى تطبيقات الرياضيات التي توجد بالفعل في كل مكان في العالم المعاصر، دون أن يفهم معظم الناس الكثير منها أو حتى يدركون ذلك بالضرورة؟

بالتأكيد، هناك وضع متناقض هنا: الرياضيات اليوم موجودة في كل مكان. وسائل الاتصال الحديثة، التي نعتبرها أمرًا مفروغًا منه، تعتمد بالكامل على اللغة الثنائية، والخوارزميات الجديدة، والترميز باستخدام الأرقام الأولية، وهكذا. ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من المستخدمين ليس لديهم أي فكرة عما يعنيه كل هذا

أعتقد أنه يمكننا توضيح هذه المفارقة من خلال طرح مسألة علم التربية هنا. ما هو الدور الفعلي، في عملية تشكيل الفكر، للمعرفة (على سبيل المثال، إتقان اللغة الرسمية للرياضيات) وعرض هذه المعرفة (على سبيل المثال، الاهتمام الشخصي الحقيقي الذي نوليه لاستخدام هذه الشكليات ومدى تأثيرها)؟ المعرفة والتفكير، وحتى الحب لما نعرفه، ليسا الشيء نفسه، ولا يتطابقان على الفور. ما هي العلاقة بين الاثنين؟ هذه هي القضية الأساسية في عملية نقل المعرفة. وكما تعلم، فقد اهتمت الفلسفة دائمًا بهذا السؤال منذ بداياتها. كان أفلاطون وأرسطو يرون أنفسهم كمربين. في الواقع، كانا يعتبران الفلسفة، إلى حد كبير، مشروعًا تعليميًا تربويًا، والذي قد ينتج معرفًا جديدًا، لكنه يضيء بشكل أساسي المعارف المكونة ويدمجها في ذاتية جديدة. هذا ينطبق تمامًا على الرياضيات، التي، بينما كان أفلاطون يتعامل مع أكثر المعارف تقدمًا في عصره، يعزو لها دورًا عامًا في تشكيل كل الفكر البشري. في الواقع، أنا مقتنع بأن الفلسفة تظهر لنا أن مسألة نقل المعرفة هي مسألة متجانسة نسبيًا، بغض النظر عن نوع المعرفة المعنية. لأن مشكلة نقل المعرفة، في النهاية، هي بالدرجة الأولى إقناع من نتحدث إليهم بأن هذا الموضوع مثير للاهتمام، وأنه يمكن أن يثير حماسهم. هذه هي المشكلة العامة في كل تعليم.  يجب أن تقنع من تتحدث إليه بأن لديه أسبابًا قوية للاهتمام بالرياضيات، على سبيل المثال. الاهتمام بها - كما هو الحال مع العديد من المعارف الأخرى - ليس من أجل التقدم الاجتماعي الذي قد توفره، ولكن من أجل ذاتها، لما تقدمه من أفكار. وهذا ينطبق على الجميع، دون فرض شبكة تُقيد الفهم بحيث يمكن للبعض أن يفهموا والبعض الآخر لا.

يبدو أن هذه الجهل المعاصر بالرياضيات هو أكثر الأمور انتشارًا، بما في ذلك بين زملائكم الفلاسفة؟

إنه وضع منقسم. للأسف، فإن معظم الفلاسفة، الذين يملكون الحد الأدنى من التدريب الرياضي (غالبًا ما يقتصر على المنطق الرسمي فقط)، يتجهون نحو الفلسفة التحليلية الأنجلوسكسونية، أو حتى إلى فرعها العلمي، المعرفي. تركز الفلسفة التحليلية نشاطها على التمييز اللغوي بين التصريحات التي تحمل معنى منطقيًا وصحيحة، وبين التصريحات التي تُعتبر فاقدة للمعنى، خصوصًا معظم العبارات الفلسفية منذ أفلاطون، والتي تُصنف على أنها "ميتافيزيقية" وبالتالي تُعتبر بلا فائدة. أما المعرفية، فهي تحاول تقليص جميع أسئلة الفكر أو الفعل إلى دراسة تجريبية لآليات الدماغ. على الرغم من أن بعض نتائج هذه الاتجاهات قد تكون مثيرة للاهتمام، إلا أنني لا أرى فيها فلسفة. إنها دراسات أكاديمية تفتقر إلى أي قيمة وجودية أو سياسية أو جمالية، وبكلمات أخرى، غير قابلة للاستخدام في الفلسفة التي تُعتبر سعيًا لتوضيح الحياة الواقعية. أو، كما هو الحال غالبًا في فرنسا، تدفع الثقافة الرياضية إلى التوجه نحو "تخصص" أكاديمي مثل تاريخ العلوم أو نظرية المعرفة. وهذا أيضًا يعد تخليًا عن الطموحات الحقيقية التي يجب أن تحفز السعي الفلسفي، والتي تتركز حول مسألة معنى الوجود، والالتزام بالحقائق، وكيفية عيش حياة تستحق أن تُسمى حياة. بعيدًا عن هذين المسارين المسدودين (من وجهة نظري!)، فإن غالبية من يدرسون الفلسفة لا يمتلكون أي معرفة بالرياضيات، ويعتبرون أن المصدر الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، لأعمالهم هو تاريخ الفلسفة.

والنتيجة الرئيسية من كل ذلك هي أن الحياة الواقعية للرياضيات والحياة الواقعية للفلسفة تميل إلى أن تكون مفصولة تمامًا. وهذا وضع جديد، على الأقل على مدى أكثر من ألفي عام من وجود الفلسفة.

في الواقع، في حين أن الرياضيات والفلسفة كانتا مترابطتين في وقت مبكر، سنحظى بفرصة للعودة إلى هذه النقطة، فإن تطوراتهما اليوم أصبحت متباعدة.

هناك الظاهرة التي ذكرتها للتو. ولكن هناك أيضًا ما يمكن تسميته بالتطور الاجتماعي والعام للمجموعتين المعنيتين. عالم الرياضيات المعاصر هو شخص يعمل في أغلب الأحيان في تخصص إقليمي شديد التعقيد ومتطور للغاية في الرياضيات. الانضمام إليه، أي أن تكون قادرًا على التحدث معه من موقع متساوٍ، غالبًا ما يكون من اختصاص أقل من عشرة أشخاص، كما ذكرت. الأرستقراطية الرياضية على مستوى الإبداع هي الأكثر ضيقًا من بين كل الأرستقراطيات الممكنة. اليوم، في ظل حالتها الحالية، لا يمكننا الدخول إلى عالم الرياضيات كما نشاء؛ هي ليست مثل الثروات الكبيرة، فهي ليست وراثية، ولا يكفي أن تكون لديك معرفة متوسطة أو حتى معرفة كبيرة أو كبيرة جدًا. نتيجة لذلك، أصبحت الرياضيات مجالًا صعب المنال. هناك إشارات خارجية واضحة يتم الإشارة إليها في الصحف: من يجد شيئًا مهمًا للغاية سيحصل على ميدالية فيلدز، بموافقة مجتمعه الصغير، وسط عدم الفهم العام

من جانب الفلسفة، المشكلة هي العكس تمامًا، حيث يمكن الآن تصنيف أي شخص تقريبًا كفيلسوف. منذ أن أصبح الفلاسفة 'جددًا'، لم نعد نتطلب منهم الكثير، حتى على المستوى الأساسي، وأؤكد لكم! كانت متطلبات المعرفة في زمن أفلاطون، ديكارت، هيجل، أو حتى في نهاية القرن التاسع عشر، لكي يُعتبر المرء 'فيلسوفًا' تتعلق تقريبًا بكل المعارف والإبداعات السياسية والعلمية والجمالية في ذلك العصر. بينما اليوم، يكفي أن يمتلك الشخص آراءً وشبكة إعلامية مناسبة ليُقنع الآخرين بأنها آراء عالمية، رغم أنها في الواقع تافهة تمامًا. مع ذلك، يجب أن يكون الفرق بين العالمية والتفاهة أمرًا حاسمًا بالنسبة للفيلسوف

يُقال إنه أصبح من المستحيل اليوم امتلاك معرفة واسعة بهذا الشكل. لكن هذا غير دقيق. بالطبع، لا يمكن للمرء أن يُتقن جميع مجالات العلوم، أو الإنتاج الفني العالمي، أو كل الاختراعات السياسية بلا استثناء. لكن يمكننا، ويجب علينا، أن نعرف بما يكفي، وأن نمتلك تجربة عميقة وواسعة بما فيه الكفاية من كل ذلك لكي نتمكن من التشريع الفلسفي. ومع ذلك، فإن العديد من 'الفلاسفة' اليوم بعيدون عن هذا المعيار الأدنى، خصوصًا في ما يتعلق بالعلم الذي كان دائمًا الأكثر أهمية للفلسفة، وهو الرياضيات

هذا الوضع حديث العهد إلى حد ما، حيث بدأ في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وقد أدى إلى تدهور كبير في صورة الفيلسوف، وفكرته، وملامحه. أصبح الفيلسوف مستشارًا في أي مجال. أما بالنسبة لي، يجب أن أعترف، فإنني أتعرض لهذا الإغراء الفاسد. عندما كتبت الأخلاقيات في أوائل الثمانينات، تلقيت العديد من العروض لإجراء ورش عمل حول أخلاقيات البنوك. أقول لك بجدية، يمكنني تقديم الوثائق! هؤلاء الأشخاص لم يهتموا بآرائي أو التزاماتي؛ بما أنني كنت أتناول موضوع الأخلاق، كان من الطبيعي بالنسبة لهم أن أكون في خدمة ما يعدونه، مركز المجتمع الحي: البنك

إذن، فإن الاختلاف بين الرياضيات والفلسفة يعود أيضًا إلى حقيقة أن الفلسفة، بدءًا من الصورة الرجعية والجوفاء لـ 'الفيلسوف الجديد'، قد شهدت تقليلاً لا يصدق في مكانتها. يجب أن نقول إن الشخصيات الفلسفية التي تظهر في وسائل الإعلام الكبرى، من وجهة نظر المعرفة المطلوبة للحديث عن مواضيعهم، هي بلا قيمة. في الرياضيات، سيتم اعتبارهم معادلين لطالب في السنة النهائية من الثانوية العامة، بمستوى متوسط للغاية. وفي الواقع، هذه إحدى الفضائل الكبرى للرياضيات: مثل هذه الترهات مستحيلة هناك. لكن الجانب الآخر لهذه الفضيلة هو أن الرياضيات أصبحت بعيدة المنال، أو محل إهمال مرير، بسبب الفصل الأرستقراطي عن الأنظمة الأخرى للمعرفة. بالطبع، مع مثل هذا التحديد الصارم، لم نرَ 'رياضياتيين جدد'، وهذا أمر مؤكد. ولا أرى كيف يمكن أن يوجد مثلهم. 'عالم الرياضيات الجديد'، حتى اليوم، هو شخص يبرهن – بشق الأنفس أو ببراعة – على نظريات لم تكن معروفة من قبل، ومن هذه النقطة لا يمكنك إنتاج منتج فرعي أو حتى صورة كاريكاتورية، فهذا أمر مستحيل تمامًا

إذن، نحن نعيش في درجة من الفصل بين الرياضيات والفلسفة التي كانت ستفاجئ معظم أسلافنا الكلاسيكيين أو المعاصرين. وأود أن أذكّر أن العديد منهم، ومن بينهم الأكثر شهرة، كانوا أيضًا من كبار علماء الرياضيات. كان ديكارت عالم رياضيات مؤسسًا، ومبدعًا للهندسة التحليلية، أي نوع من توحيد الهندسة والجبر؛ فقد أظهر كيف يمكن تمثيل منحنى في الفضاء، أي كائن هندسي، بمعادلة. وكان لايبنيز عالم رياضيات عبقريًا، ومؤسسًا لحساب التفاضل والتكامل الحديث. آخر من تواجد في هذه المجالات كان في مكان ما في القرن التاسع عشر: ربما فريجي Frege، ربما ديديكيند Dedekind، ربما كانتور Cantor في بعض الجوانب، أو بوانكاريه، الذي يُعد بالتأكيد آخر شخصية عظيمة في هذا النموذج. كان هناك أيضًا، في فرنسا، بين عامي 1920 والستينات، مدرسة فلسفية مختصة بالرياضيات، لكنها لم تخضع لإغراءات الفلسفة التحليلية المزعومة، مع باشلار، كافاياس Cavaillès، لوتمان Lautman، وديسانتيDesanti. لكن اليوم، أصبح الفصل متقدمًا جدًا، على الرغم من أنه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا من ظهوري، ظهر جيل من الفلاسفة، وبعض علماء الرياضيات أيضًا، واعدين جدًا من خلال إعادة اكتشافهم للميتافيزيقا (تريستان غارسيا Tristan Garcia، كوينتن ميلاسو Quentin Meillassoux، باتريس مانغليي Patrice Maniglier...)، حيث يتقن بعض أعضائهم جزءًا كبيرًا من مجال الرياضيات المعاصر، دون أن يختزلوا ذلك إلى نوع من الوضعية اللغوية أو تاريخ العلوم البسيط. أفكر بشكل خاص في تشارلز ألوني  Charles Alunni، وروتي غيتار René Guitart، وإيف أندريه Yves André، وفي الآونة الأخيرة، إيلي ثور، وديفيد رابوين. من الواضح أنني نسيت أو أتجاهل - آمل - العديد من الموارد الذاتية الأخرى في الأجيال القادمة.

  في الحقيقة، جزء من جهدي الميتافيزيقي الصارم، بمساعدة جميع من لديهم اليوم الوسائل والرغبة، يسعى لتجاوز هذا الفصل المميت بين ما يُسمى الفلسفة والاكتشافات الفكرية الكبرى للرياضيات المعاصرة.



السابق                                التالي


بحث في المدونة

الأكثر قراءة