المصدر:
جيل ليبوفتسكي
التاريخ: 12 فبراير 2007
يحتل
جيل ليبوفتسكي، مؤلف هذا الكتاب، مكانة استثنائية بين علماء الاجتماع الفرنسيين
المعاصرين لاسيما فيما يتعلق بدراسة المجتمعات الغربية المعاصرة وآليات تطورها.
سبق لمؤلف هذا الكتاب ان قدّم العديد من الكتب التي لاقت كلها اهتمام القرّاء
والنقاد. وكان من أولها «حقبة الفراغ» ثم «إمبراطورية ما هو عابر» و«غسق مفهوم
الواجب» و«المرأة الثالثة»، الخ.
«السعادة المتناقضة» هو كتاب جديد ضمن نهج فكري سلكه المؤلف منذ
البداية. وهو يخص بالدراسة دائما المجتمعات ذات النزعة الاستهلاكية المتطرفة وذات
الإيديولوجية الليبرالية الجديدة. وهو يؤكد أن هذه المجتمعات قد «دخلت في مرحلة
جديدة من الرأسمالية» ويسميها «مرحلة الاستهلاك العالي» أو «مجتمعات الإفراط في
الاستهلاك».
الدخول
في هذه المرحلة الجديدة ترتب عليه بروز «نموذج جديد» من الأفراد ـ المستهلكين الذي
ألقى جانبا جميع الإيديولوجيات التي تنضوي تحت عنوان «صراع الطبقات»، وحيث أصبحت
المرجعيات الأساسية المعتمدة من أبناء المجتمعات الاستهلاكية «الجديدة» هي البحث
عن «الرفاهية» و«السعادة» عبر المشتريات وتحسين الأحوال الصحية ومستوى العيش
والتزود ب«الماركات» الكبيرة وولوج عالم الاتصالات المباشرة في ظل ثورة
المعلوماتية وشبكات الانترنيت.
لكن
«ذهنية الاستهلاك» لم تدخل في ميدان الشراء والرفاهية، وإنما نجحت أيضا في التغلغل
حتى إلى العلاقة العائلية والعقائدية السياسية والنقابية. بل إنها أصبحت أحد
المكونات الأساسية في حقل «الثقافة». هذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول إن: «كل شيء
يجري وكما لو أن الاستهلاك يعمل من الآن فصاعدا مثل إمبراطورية ليس فيها أي وقت
ضائع فضلا عن أنها لا تمتلك أية حدود مرسومة بدقة».
في
القسم الأول من هذا الكتاب يقوم المؤلف بعملية توصيف دقيقة للمجتمع الفرنسي القائم
عبر رسم «لوحة عيانية» لواقعة؛ وعلى أساس هذا التوصيف، بل ربما على خلفية الانطلاق
من هذه القاعدة، يعطيه تسمية «مجتمع الإفراط في الاستهلاك»، وذلك على اعتبار أن
الرأسمالية الحالية، رأسمالية مطلع القرن الحادي والعشرين، قد شكّلت نوعا من
القطيعة الحقيقية مع «الرأسمالية» السابقة التي كانت في حالة نزاع «بقاء
واستمرارية» مع الاشتراكية في ظل الاستقطاب الثنائي الدولي الذي استمر قرابة سبعة
عقود من الزمن.
إنه
يؤكد القول على أن رأسمالية اليوم، ذات الإيديولوجية الليبرالية الجديدة والخاضعة
قبل أي شيء أو أي اعتبار آخر لمنطق قواعد اقتصاد السوق، لم تعد هي الرأسمالية
الخاضعة لنظام «العرض» وإنما بالأحرى ل«الطلب» والتي تعمل «حسب أوامر» الشراة. أي
أنها غير تلك التي كان خصوم «مجتمع الاستهلاك» يوجهون لها نقدهم الشديد خلال سنوات
الستينات والسبعينات من مواقعم الإيديولوجية.
ويرى
المؤلف أن رأسمالية مطلع القرن الحادي والعشرين تستطيع أن تقوم بإنتاج سلاسل
منتوجات شديدة التنوع، بفضل استخدام التقنيات الجديدة التي جاءت ثمرة للثورة
الرقمية. وضمن هذا السياق تراجع تدريجيا الإنتاج بكميات كبيرة ـ الإنتاج الجماهيري
ـ لنوع من «التجزئة الكبيرة» للأسواق، أو ما يسميه المؤلف: «الإنتاج حسب القياس
لجمهور معيّن» و«انتشار التنوع».
أما
الأسباب الكامنة وراء مثل هذا التبدل فإن المؤلف يجدها في التغيير العميق لطبيعة
آليات الاستهلاك، ذلك أن المستهلك أصبح يبحث حصرا عن «السعادة الخاصة» وعن
«الاستهلاك من أجل الآخر». هذا التعاظم للنزعة الفردية هو أيضا أحد سمات المجتمعات
التي تؤكد على تبنّيها للنمط الليبرالي الجديد القائم على المنافسة واقتصاد السوق.
ثم إن تنامي النزعة الفردية ليس بعيد عن الاستهلاك في نشاطات «غير منتجة» مثل
«الأسفار» و«التسلية».
تتمثل
إحدى الأفكار الرئيسية في هذا الكتاب بالقول إن «حداثة جديدة قد وُلدت»، وهي
تتزامن مع ما يسميه المؤلف ب«حضارة الرغبة» التي كانت قد بدأت بتعزيز أركانها
الأولى منذ النصف الثاني من القرن العشرين. وقد مثّلت نوعا من «الثورة» التي لا
تنفصل عن التوجهات الجديدة للرأسمالية الرامية إلى التنشيط المستمر للطلب وصبغ
مفهوم السلعة على كل شيء. إنها رأسمالية «الاستهلاك» التي طغت على «رأسمالية
الإنتاج».
ومن
أهم سمات التناقض في المجتمعات ذات الطبيعة الاستهلاكية المفرطة هي أنها تزداد
غنًى أكثر فأكثر، ولكن مع ذلك هناك عدد متعاظم من الأشخاص يعيشون حالة متردية من
الهشاشة وعليهم أن يقوموا بوفورات في جميع مناحي ميزانيتهم فالأموال تصبح بمثابة
«وسواس» ضاغط أكثر فأكثر أيضا. كما أصبحت أشكال القلق وخيبات الأمل وغياب الأمن
الاجتماعي والشخصي مشاعر موجودة في أعماق البشر رغم توفير طبابة أفضل وخدمات أكبر
وأسهل. وهذا ما يسميه المؤلف تحديدا بـ (السعادة المتناقضة) في المجتمعات ذات
الاستهلاك المتضخّم.
ويركّز
المؤلف على استخدام تعبير «التضخّم المخيّب للآمال» كي يواجهه فيما كانت تعرفه
المجتمعات المسماة ب«التقليدية». تلك المجتمعات كانت تقوم بعملية «تأطير صارمة
للرغبات وللتطلعات الفردية» مما ترتب عليه نجاحه في «الحد من ضخامة خيبات الأمل».
لكن المجتمع «الجديد» وعندما «وعد بالسعادة» وبعيش جميع أنواع المتع في «زاوية
الشارع»، إنما وضع الحياة اليومية للبشر «أمام امتحان صعب».
هذا
لاسيما وأن «نوعية الحياة» أصبحت هي الأفق الذي ينتظر الجميع الوصول إليه في جميع
الميادين من السكن إلى تمضية أوقات الفراغ ومرورا بالحياة العائلية ونوع التغذية.
أصبح إذن «الكمال» هو المطلوب، أو ما يسميه المؤلفة ب«المستوى صفر المسموح به من
الأخطاء»، وهذا استدعى بنفس الوقت عدم إمكانية «الفلات» من تنامي خيبة الأمل، بقدر
عدم إمكانية تحقيق «الكمال» المنشود، خاصة بالنسبة لأولئك الذين لا تتوفر لديهم
إمكانيات مالية كبيرة «تتناسب مع مستوى طموحاتهم».
ويقول
المؤلف إنه «بمقدار ما تصبح الرفاهية ورغد العيش مطالب ملحّة تنفتح أيضا شوارع
القلق». هكذا أيضا وبعد «ثقافة العار» و«ثقافة الإحساس بعقدة الذنب» تأتي اليوم
«ثقافات القلق والحرمان وخيبات الأمل». وهذا صحيح على المستويين «العام» و«الخاص».
ويرى
جيل ليبوفتسكي أن الإنسان قد فقد في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة ـ الليبرالية
الجديدة- تلك الحماية التي كانت توفرها له العقائد الدينية وتقدم له «المواساة» في
أوقات الضيق والقلق. بمعنى آخر كانت المجتمعات التقليدية تستخدم بعض «الآليات» ليس
لمنع خيبات الأمل، وإنما للحد من شعور «الهزيمة» والذي كانت تتم مواجهته أحيانا
بالذهاب إلى القدّاس والصلوات و«الاعتراف» بالذنوب. بالطبع كانت الخيبة الإنسانية
موجودة، ولكن كان المجتمع يتسم بالثبات. «أما اليوم فلم يعد في مجتمعاتنا ذات
النزعة الفردية المتطرفة ما يمكن الاعتماد عليه بالمقابل».
ويبيّن
المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب كيف أن التقاليد نفسها أصبحت وسيلة لـ «تأكيد
الذات» الفردية أكثر مما هي رغبة «المحافظة على عادات الجدود». المثال الذي يقدمه
على مثل هذه المقولة هو «الكيوبيك» في كندا حيث لا يزال «الكيوبيكيون» يقولون
بانتمائهم إلى ثقافة خاصة ويطالبون بموقع خاص للغة الفرنسية ـ كان الجنرال شارل
ديغول قد أطلق صيحته الشهيرة «عاشت كيوبيك الحرّة». وإذا كان هذا ينمّ عن رغبة ما
بالمحافظة على التقاليد فإنما هي «رغبة مشوبة بالنزعة الفردية».
وذلك
على قاعدة التساؤل حول المستقبل وحول عمّا إذا كان المعنيون يريدون حقيقة
«السيادة». وهذا ما يعبّر عند المؤلف بالقول: «أصبحت التقاليد الكيوبيكية موضع
تساؤل، ولم يعد يتمّ تلقيها بالوراثة».
وإذا
كان مؤلف هذا الكتاب يشرح بإسهاب «كيف أصبح العالم خاضعا لمفهوم السلعة»، فإنه يرى
بالمقابل أن تنوع المنتوجات الجديدة يتيح للمستهلكين «إثراء» أنماط حياتهم بل و«مضاعفة»
الهويات التي ينتمون لها. كما يرى أن «استيعاب» معايير الاستهلاك له بعض الجوانب
الإيجابية بحيث أصبح البشر أكثر واقعية وأكثر إحساسا بمسؤوليتهم حيال حياتهم
ومصيرهم لا شك أكثر واقعية» و«مسؤولية» وإنما أقل «رومانسية».
لكن
مثل هذا لا يؤمن سوى «سعادة متناقضة»، إذ هناك ومقابل أولئك الذين يفرطون في
شهيتهم الاستهلاكية «مجتمع آخر»، «مجتمع هش» لا يمتلك إمكانيات المشاركة والانخراط
في الموجة الاستهلاكية العالية.
*الكتاب: السعادة المتناقضة
دراسة
حول المجتمعات ذات الاستهلاك العالي
*الناشر:غاليمار ـ باريس 2006
*الصفحات: 390 صفحة من القطع المتوسط
Le
bonheur paradoxal, essai sur la société
d'hyperconsommation
Gilles
Lipovestsky
Gallimard-Paris
2006
p.390

0 التعليقات:
إرسال تعليق