‏إظهار الرسائل ذات التسميات ليفيناس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ليفيناس. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 19 مايو 2020

غراهام غرين، الكتابة والتسويف

أن تكتب بالقلم أو عن طريق لوحة المفاتيح، ليلا أو نهارا، ترسم تخطيطا مسبقا لحكايتك أو تترك نفسك لتيار إلهامك، لكل كاتب طقوسه وتقنياته الخاصة أثناء أداء مهمة إتمام قصته. لنكتشف نصائح البريطاني غراهام غرين، صاحب ما يفوق الخمسين عملا، ما بين رواية ، دواوين شعر، قصص قصيرة، سير ذاتية وقصص أطفال.

لأن كتابة نص، قد تكون في أغلب الأحيان عرضة للتسويف، فقد اختار جراهام غرين (1904-1991)، مؤلف ذاك الكم المدهش من الأعمال المختلفة ،طوال حياته المهنية طريقة  معجزة: أن تنظم وقت كتابتك. وبذلك، كان يتقيد يوميا بعدد من الكلمات محدد مسبقا.
في شبابه، كان تحدّيه يصل إلى غاية 500 كلمة، كما شرح ذلك في روايته The End of the Affair نهاية القضية (1951) ( والتي ترجمها مارسال سيبون إلى الفرنسية بعنوان "نهاية علاقة" لدى دار النشر روبار لافون)، حيث يصف موريس بندريكس، الشخصية التي تؤدي دور كاتب في الرواية، طريقته في العمل:
"خلال عشرين عامًا، كتبت ما معدله 500 كلمة يوميًا، خمسة أيام في الأسبوع. أريد بذلك إنتاج رواية في خلال عام واحد وهذا ما يترك لي الوقت لإعادة القراءة والتصحيح. لطالما كنت منهجيا للغاية، وعندما تنتهي حصتي المحددة من العمل، أتوقف، حتى ولو كنت في منتصف جملة "يؤكد البطل.
ليضيف: "حتى قصة الحب لم تكن لتغير من جدول أعمالي. "
التغلب على متلازمة "الصفحة البيضاء"
خلال صيف عام 1950، تمكن الكاتب البريطاني مايكل كوردا من مقابلة غراهام غرين خلال رحلة بحرية على الريفييرا الفرنسية وكان شاهدا على مثابرته وانضباطه الذاتي حيث يقول:
"كان دائما يتوقف عن الكتابة حين بلوغه 500 كلمة، حتى و لو أدى ذلك  إلى توقفه في منتصف جملة أو فكرة. كان الأمر كما لو أنه كان يعطي  للكتابة دقة الساعاتي ، ربما كان يحتاج ببساطة ، في حياة مليئة بالشكوك الأخلاقية والارتباك ، لمجال تكون فيه القواعد مطلقة ".
"على أي حال، كانت كتاباته اليومية  أشبه في قداستها بالإخلاص الديني. بمجرد إتمام عقوبة الــ500 كلمة اليومية ، يترك دفتره  ولا يفكر فيه حتى صباح اليوم التالي. "
سمحت هذه الطريقة لغراهام غرين بإراحة ذهنه حتى يتولى العقل اللاواعي الكتابة: "جزء كبير من كتابة الروائي يحدث في اللاوعي، في أعماقه، وهناك بالذات تظهر الكلمة الأخيرة من  القصة قبل ظهور الكلمة الأولى على الورق. " يتابع الكاتب من خلال شخصية موريس بندريكس.
وحتى أنه كان يحتفظ بمذكرات يخط بها أحلامه الليلية، والتي كان يعتبرها المرحلة الليلية من عملية كتابته وغالبًا ما كانت كتاباته هذه صدى لكتاباته في الواقع.
مع الوقت، انخفض عدد كلماته اليومية " من قبل كنت أحدد 500 كلمة يوميًا، لكنني الآن أقصر نفسي على حوالي 300 كلمة". هكذا قال جراهام غرين عام 1971 لصحيفة نيويورك تايمز  حين كان يبلغ من العمر 66 عامًا.

الجمعة، 8 مايو 2020

حياة داخلية



تفتح كتاب " حكمة البوذية" وتشرع في القراءة فتستوقفك، حكمة عنوانها "حياة داخلية" يقول "لين تسي" صاحب هذه الحكمة:
"كل ما ستواجهه، إن داخل ذاتك أو خارجها، اقتله.. إن قابلت بوذا، اقتل بوذا! وإذا قابلت بطريركا، اقتل البطريرك! إذا قابلت آرهات[1]، اقتل الآرهات! إذا قابلت والدك وأمك، اقتل والدك وأمك! إذا قابلت أحباءك، اقتل أحباءك! هي ذي الطريقة لتخليص نفسك، والانعتاق من عبودية الأشياء؛ هو ذا الهروب، هو ذا التحرر!"
تقول في نفسك ما بال هذا اللين تسي؟ وهل هذه حكمة تُقال؟ تعيد قراءتها مرة، ثم أخرى فيتمثل في خيالك واحد من اثنين:
البسطامي لما رأى رب العزة في منامه، فقال له : كيف الطريق إليك ؟ قال : اترك نفسك وتعال . فانسلخ البسطامي من نفسه، كما تنسلخ الحية من جلدها ...هكذا تقول الحكايا.
أو يتمثل لك البغدادي يخطب في بقايا مسجد من مساجد العراق.
أنت وتجلياتك.
****
[1]آهرات: آخر درجات سلم الحكمة لدى البوذية، ويعني من تغلب على كل رغباته.

الاثنين، 27 أبريل 2020

تأملات جديدة

تأملات جديدة
مقابلة نشرت يوم(27/04/2020) في صحيفة إيطالية

هل، وفق هذه العزلة القسرية، نحن بصدد عيش مرحلة شمولية جديدة ؟
نحن نسمع في أيامنا هذه في جميع الجهات صياغة فرضية أنه، في الواقع، أننا بصدد عيش نهاية عالم، عالم الديمقراطيات البورجوازية المؤسسة على الحقوق والبرلمانات و فصل السلطات، تاركا المكان لنوع من الاستبداد الجديد، الذي، فيما يخص المراقبة الدائمة وتوقف كل الأنشطة السياسية، سيكون أشنع من كل الأنظمة الشمولية التي عرفناها لغاية يومنا هذا. يسمي علماء السياسة الأمريكيين هذا الاستبداد الجديد دولة الأمن " Security State "، أي تلك الدولة التي – لأسباب أمنية – (في الحالة الراهنة " الصحة العامة"، المصطلح الذي يجيلنا إلى "لجان السلامة العامة" سيئة السمعة أثناء مرحلة الإرهاب)،يمكن أن تٌفرض فيها أي قيود ممكنة على الحريات الفردية. اعتدنا في إيطاليا منذ فترة طويلة على التشريع  من خلال مراسيم طوارئ صادرة من طرف السلطة التنفيذية، التي تحل بهذه الطريقة محل السلطة التشريعية وتلغي بذلك مبدأ الفصل بين السلطات الذي يعتبر أساس الديمقراطية. والرقابة التي تتم ممارستها بواسطة كاميرات المراقبة بالفيديو والآن ، كما سبق وتم اقتراح ذلك  بواسطة  الهواتف المحمولة ، تتجاوز بكثير أي شكل من أشكال المراقبة التي مورست في ظل أنظمة شمولية  كالفاشية والنازية.
فيما يتعلق بالبيانات ، بالإضافة إلى تلك التي سيتم جمعها عن طريق الهواتف المحمولة ، ينبغي التفكير أيضًا في البيانات التي يتم نشرها في العديد من المؤتمرات الصحفية ، والتي غالبًا ما تكون غير مكتملة ومُساء تفسيرها.
هذه نقطة مهمة لأنها تمس جذر الظاهرة. لا يمكن لكل من له بعض المعارف في الابستيمولوجيا أن لا يفاجأ بحقيقة أن وسائل الإعلام ، على مدى الأشهر القليلة الماضية ، نشرت أرقامًا دون أي معيار علمي ، ليس فقط من دون ربطها بالوفيات السنوية خلال نفس الفترة ولكن أيضا دون تحديد سبب الوفاة. أنا لست لا مختصا في الفيروسات ولا طبيباً ، لكنني أتحرى الاستشهاد بمصادر رسمية موثوقة.
21000 وفاة بفيروس Covid-19 ، يبدو الرقم مثيرًا للرعب وهو كذلك. ولكن إن تم ربطه بالبيانات الإحصائية السنوية ، فإن الأمور ، كما يجب أن تكون ، ستأخذ جانبًا مختلفًا. أبلغ رئيس المعهد (l’Istat) دكتور جيان كارلو بلانجياردو منذ أسابيع قليلة عن أعداد الوفيات للعام الماضي: 647000 حالة وفاة (أي 1772 حالة وفاة في اليوم). إذا قمنا بتحليل الأسباب بالتفصيل ، فإننا نرى أن أحدث الأرقام المتاحة لعام 2017 تسجل 230،000 حالة وفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية ، و 180،000 حالة وفاة بسبب الأورام ، و 53،000 حالة وفاة على الأقل بسبب أمراض الجهاز التنفسي. لكن ثمة نقطة مهمة بشكل خاص وهي تنظر إلينا عن كثب.
ماهي؟
أقتبس من كلمات الدكتور بلانجياردو: "في شهر مارس 2019 ، بلغت الوفيات بسبب أمراض الجهاز التنفسي 15189 والعام السابق 16220. وبالمناسبة ، نلاحظ  إجماليا أعلى من العدد المقابل للوفيات جراء فيروس كورونا(12،352) في مارس 2020 ”. ولكن إذا كان هذا صحيحًا وليس لدينا أي سبب للشك في ذلك ، دون الرغبة في التقليل من أهمية الوباء ، يجب علينا مع ذلك أن نسأل أنفسنا ما إذا كان بإمكان الوباء تبرير  تدابير الحد من الحرية التي لم يتم  أبدا الأخذ بها في تاريخ بلادنا ، ولا حتى خلال الحربين العالميتين. ينشأ الشك المشروع في أنه من خلال نشر الذعر وعزل الناس في منازلهم ، أُريد بذلك تنصل    الحكومات من مسؤولياتها الخطيرة للغاية  وإلقائها على عاتق السكان حيث قامت أولاً بتفكيك الخدمة الصحية الوطنية ثم ، في لومباردي ، ارتكبت سلسلة من الأخطاء التي لا تقل خطورة في التعامل مع الوباء. "
حتى العلماء ، في الواقع ، لم يقدموا مشهدًا جميلًا. يبدو أنهم لم يتمكنوا من تقديم الإجابات المتوقعة منهم. ما رأيك ؟
إنه من  الخطير دائمًا أن نكلف الأطباء والعلماء  بإصدار قرارات هي في نهاية المطاف ، قرارات أخلاقية وسياسية. حسنا، العلماء، عن صواب أو خطأ، يتبعون بحسن نية أسبابهم، والتي تتماشى ومصلحة العلم والتي باسمها - يؤكد التاريخ ذلك بإسهاب - هم على استعداد للتضحية بأي شاغل ذي طابع أخلاقي. لست بحاجة للتذكير بأنه في ظل النازية، قاد علماء محترمون للغاية سياسة تحسين النسل ولم يترددوا في استغلال المخيمات لإجراء تجارب قاتلة اعتبروها مفيدة لتقدم العلم ولصحة الجنود الألمان. في الحالة الراهنة الأمر مقلق بشدة، لأنه في الواقع، حتى ولو أخفت وسائل الإعلام ذلك، لا يوجد إجماع بين العلماء، وبعضٌ من أكثرهم شهرة، مثل ديدييه راوول، ولعله أعظم عالم فيروسات فرنسي، لديهم آراء مختلفة حول أهمية الوباء وفعالية تدابير العزل، التي نعتها البروفسور في مقابلة على أنها خرافة من خرافات العصور الوسطى. لقد كتبت في مكان آخر أن العلم قد أصبح دين عصرنا. إن التشبيه بالدين يجب أن يؤخذ حرفيا: لقد اعترف اللاهوتيون أنهم لا يستطيعوا أن يحددوا بوضوح ما هو الله، ولكنهم باسمه يملون على البشر قواعد السلوك ولا يترددوا في حرق الزنادقة، يعترف علماء الفيروسات بأنهم لا يعرفوا بالضبط ما هو الفيروس، لكنهم باسمه  يزعمون القرار كيف يجب أن يعيش البشر.
قيل لنا - كما حدث ذلك في الماضي – أن لا شيء سيبقى كما كان فيما سبق  وأن حياتنا يجب أن تتغير. ماذا  سيحدث في رأيك؟
سبق وأن حاولت وصف شكل الاستبداد الذي علينا انتظاره والذي يتوجب علينا الحذر منه بلا كلل.ولكن، إذا حدث و تخلّينا عن مجرى الأحداث وحاولنا اعتبار الأمور من وجهة نظر قدر النوع البشري على الأرض، تحضرني اعتبارات عالم  هولندي عظيم، لودفيج بولك (Ludwig Bolk). وفقا لبولك ، يتميز النوع البشري بتثبيط  تدريجي للمبادئ الحيوية الطبيعية للتكيف مع البيئة، والتي يتم استبدالها بنمو موسع لأجهزة تكنولوجية غايتها تكييف البيئة مع البشر. عندما تتجاوز هذه العملية حدًا معينًا، فإنها تصل إلى نقطة تصبح فيها عملية ذات نتائج عكسية وتتحول إلى عملية  تدمير ذاتي للنوع. يبدو لي إن الظواهر الشبيهة بما نحن بصدد عيشه تُبيّن أنه قد تم بلوغ هذه النقطة وأن الطب الذي من واجبه علاج أمراضنا يخاطر بإحداث أمراض أشد خطرا. وضد هذا الخطر أيضا يجب علينا أن نكافح بشتى الوسائل .
قامت بالترجمة من الإيطالية ( فلورنس باليك)، من المقالة المنشورة على موقع Quodlibet بتاريخ 22 أبريل 2020 .


السبت، 25 أبريل 2020

مملكة الموضة.. فيلسوف يصفها بـ ظاهرة الزوال المتجدد

أحمد إبراهيم الشريف
الأحد، 10 مارس 2019
يتناول كتاب مملكة الموضة لـ جيل ليبوفتسكي، من تقديم وترجمة دينا مندور، والصادر عن المركز القومى للترجمة، الموضة ومصيرها فى المجتمعات الغربية.
فى مقدمة الكتاب تسأل دينا مندور "ما الذى يدفع فيلسوفا ذائغ الصيت وعالم اجتماع مرموقا مثل جيل ليبوفتسكى إلى الحديث والاهتمام بمر مثل الموضة، يبدو للكثيرين كموضوع (ثانوى) أو عنصر رفاهية بحت تتمتع به الإنسانية"؟
وتجيب "مندور" إن ليبوفتسكى اشتهر بالحديث عن سلوكيات الإنسان فى مجتمع ما بعد الحداثةـ أو بما أسماه مجتمع "الحداثة المفرطة" عبر الاهتمام بموضوعات تجلت فى كتبه السابقة مثل "زمن العدم" و"مجتمعات الإخفاق" و"السعادة المفارقة" و"تجميل العالم" و"عن الخفة".
وترى دينا مندور أن "جيل ليبوفتسكي" حين اتلتفت إلى مضوع الموضة، كان حريا به أن ينظر إلى نشأة الظاهرة بطر جميع الأبواب المؤدية إليها، أو بمعنى أدقالمحيطة بها، فكانت البداية البديهية هى النظر إلى البعد التاريخي، والذى بذل فيه مجهودا ضخما وملحوظا بجمع مادة دقيقة عن الطبقات الاجتماعية وأزيائها وأفكارها إزاء الملبس والمظهر، دون إغفال الجماعات محدودة الانتشار فى أماكن متفرقة من العالم، متناولا تفاصيل مظهرها مرورا بمرجعيات الزى الثقافية وفقا لعادات تلك الجماعات وتقاليدها، وصولا لأسباب تغير نمط الزى وأسبابه.
وتتابع دينا مندور لم يتوقف الفيلسوف عند البعد التاريخى والاجتماعي، وانتقل إلى مناطق أكثر إثارة فى تاريخ الموضة، مثل نشوء الماركات العالمية وكيف استطاعتت أن تجذب فى ركابها رغم الأثمان الباهظة لأزيائها، عددا متزايدا من الزبائن والمهتمين بها.
بينما يقول "جيل" فى مقدمته لا تمثل الموضة جنونا ثقافيا، إنما هى ظاهرة تستحق التوقف عندها، فهى على الرغم من أنها لم تتوقف عن تسريع شرعنتها العابرة، وعن غزو فضاءات جديدة، وعن ضم الطبقات الاجتماعية كافة والأعمار المختلفة إلى مدارها، فإنها لم تبال بمن لديهم قناعة بإبراز مرونة المجتمعات الحديثة وتفعيلاتها.
ويقول جيل،  سنقرأ تاريخ الأزياء، المفاهيم والإشكاليات، التى تسيطر عليها، لا من جل فحص مضمونها، الذى لا ينضب، ولكن من أجل التفسير العام لهذه الظاهرة وتحولاتها على المدى الطويل. لا يوجد تاريخ زمنى للأنماط وللمناسبات الأنيقة، ولكن هناك اللحظات العظيمة والحداث الكبيرة والنقاط النقاط التنظيمية والجمالية والمنااسبات الاجتماعية التى تحكم مسار الموضة منذ قرون.

مملكة الموضة.. سلطة الغواية

2019/01/01
تتجاوز الموضة حدود الأزياء. إنها المسافة بين ما نرتديه وما نعبّر عنه بالثياب.
إنها محاولة شطب الإغواء مع استخدام الإمكانات المتاحة، عبر حيل الموضة المجنونة التي لا تلغي الذكاء. البعض يراها مساحة للحرية، والبعض الآخر يجد فيها أسوأ السيناريوهات التي يرسمها العقل الماكر لمصمّمي الأزياء ومنفذيها.
ربما لهذا تزداد أهمية كتاب «مملكة الموضة زوال متجدد»، تأليف الفيلسوف الفرنسي، جيل ليبوفتسكي، ترجمة الدكتورة دينا مندور، الذي صدر عن المركز القومي للترجمة.
ففي الكتاب استقراء فكري وفلسفي رصين وممتع للموضة، من حيث كونها نوعـًا من التعبير التراتبي، وتجسيدًا للتنافس بين الطبقات، ومثالًا على جمالية الغواية.
بل إن ليبوفتسكي يأخذ القارئ في جولة إلى عالم التصميم وحمى الاستهلاك وهيمنة الجديد، ويستوقفك عند لافتات الإعلانات الأنيقة والصادمة، كما يستكشف دور وسائل الإعلام في تعزيز سلطة الغواية.
ولكن، ما الذي يدفع فيلسوفـًا ذائع الصيت وعالم اجتماع مرموقـًا مثل جيل ليبوفتسكي إلى الحديث والاهتمام بأمر مثل الموضة، يبدو للكثيرين كموضوع ثانوي أو عنصر رفاهية بحت تتمتع به الإنسانية؟!
ترى دينا مندور أن ليبوفتسكي اشتهر بالحديث عن سلوكيات الإنسان في مجتمع ما بعد الحداثة، سماه مجتمع «الحداثة المفرطة» عبر الاهتمام بموضوعات تجلت في كتبه السابقة، مثل «زمن العدم» (1983)، «مجتمعات الإخفاق» (2006)، «السعادة المفارقة» (2006)، و«تجميل العالم» (2013) وصولًا لآخر كتبه «عن الخفة» (2015).
يرتحل ليبوفتسكي في تاريخ «مملكة الموضة» عبر أزمان بعيدة، مرورًا بمسيرتها وما شهدته من أنماط، لا ثابت فيها إلا صيحة التغيير شبه اليومي فيما يخص ذلك العالم البراق، بكل من فيه من تفاصيل صغيرة تصنع الفوارق، وتضفي مسحة سعادة على القماش والمواد التي كانت محايدة.
تأتي نقاشات الكتاب المثيرة في محاولات للفهم عبر طرح الكثير من علامات الاستفهام حول الموضة؛ ما بين الوعي الزائف والاغتراب والإغواء وتحويل البشر إلى سلعة متغيرة والهوس بالمظهر، وبين تلك الإمبراطورية التي لم تعد مجرد متعة جمالية، أو ديكور للحياة الجماعية «لكنها حجر الزاوية.. وصلت إلى أوج قوتها، فقد تمكنت من إعادة تشكيل المجتمع كله في صورتها: كانت هامشية، وأصبحت الآن المهيمنة».
يثير الفيلسوف الفرنسي منذ العنوان الإشكالي تساؤلات بالجملة، حول تلك المملكة التي لا تعرف للاستقرار معنى، ولا تحترم التقاليد بالمرة، إذ تتسم بالزوال المتجدد، وحمى الابتكارات اليومية.. موضة تلوح مع كل شروق شمس تقريبـًا، لتغيب موضة أخرى، إذًا كيف تحتل الظاهرة القصيرة الأجل مكانة في التاريخ؟ وكيف تحركت من الهامش إلى المركز لتسيطر على العقول؟ ولماذا يحدث ذلك في الغرب بشكل خاص؟ وكيف يمكن لعصر هيمنة التقنية والتقدم العالمي أن يكون على حد سواء عصر الموضة اللامعقولة؟
يستعرض جيل ليبوفتسكي تاريخ الأزياء وإيقاعاته المتلاحقة، منذ قرون، وارتباط الموضة بشكل خاص بانتظام المجتمع، وتشكل ملامح الاستقرار، فكل دولة حرصت على تميزها بزيّ ما، لتختلف عن جيرانها، وفي فترة لاحقة أصبحت هناك منارات للموضة، يستوحي منها الجميع، وتفرض ذوقها الخاص على سواها، تماما كما كانت تصنع طبقة النبلاء وذوي النفوذ؛ من كانوا بمنزلة صورة تسعى طبقات عدة لتقليدها، والسير على منوالها فيما يتعلق بالمظهر، وكذلك سمات البطولة والفروسية.
لم يتوقف المؤلف عند البعد التاريخي والاجتماعي في دراسته، وإنما انتقل إلى مناطق أكثر إثارة في تاريخ الموضة، مثل نشوء الماركات العالمية، وكيف استطاعت أن تجذب في ركابها، رغم الأثمان الباهظة لأزيائها عددًا متزايدًا من الزبائن والمهتمين بها، ومن ثم مواجهة تلك الماركات لتهديد صناعة الملابس الجاهزة التي انتشرت في جميع أركان العالم بشكل سريع، وكانت تحاكي تصاميم
الأزياء الراقية والماركات العالمية مع الاستغناء عن بعض التفاصيل، فيوضح الكاتب كيف تطور هذا الصراع وكيف تم حسمه.
يحفل كتاب «مملكة الموضة: زوال متجدد» الذي يقع في 290 صفحة بالكثير من «زعزعة المظهر» إلى الماركات المسجلة في متطلبات عدة، وليست الأزياء فحسب، وما يطلق عليه صاحب الكتاب (جيل ليبوفتسكي) الموضة المكتملة، التي تحاول أن تغلف الحياة جميعها، وانتشرت في كل أنحاء العالم، ولم تترك أحدًا، إذ تسعى طبقة ما «دنيا» إلى محاكاة طبقة أرستقراطية أعلى، ما يجعل الأخيرة تحاول البحث عن موضة جديدة تثبت بها تميزها لتستمر الدائرة الحلزونية، على حد وصف مترجمة الكتاب دينا مندور في المقدمة.
يقول المؤلف: «لقد دخلنا إلى مرحلة جديدة من عمر المجتمعات الحديثة التي تقوم على الغواية والزوال والتمايز الهامشي، لقد ظهرت الموضة المكتملة كوسيلة داعمة للمجتمعات المتحررة، وناقلة لا تضاهى للأنوار وللديناميكية الحديثة».
لا ينظر المفكر الفرنسي في تاريخ الأزياء الراقية، والقطع الفخمة الباهظة الثمن، بل يتطرق كذلك إلى كل ما يصلح للارتداء، والرائج الشعبي البسيط، والأزياء العملية التي وحّدت المظهر، وصارت أكثر تنوعـًا، وحققت نوعـًا من المساواة، وديمقراطية الشكل، كما الحال مثلًا في الملابس الرياضية التي فرضت نمطـًا مغايرًا مريحـًا ومنطلقـًا، وخاليـًا من عقد فساتين السهرة البراقة.
كتاب «مملكة الموضة زوال متجدد» يتحدى نهر التقاليد ويكشف الصراع الأزلي بين نفوذ الأسلاف ونفوذ الحداثة.

ديمقراطية ما بعد الحداثة عند جيل ليبوفتسكي


2019/02/05


توطئة:
شهد مطلع الثمانينيات نشْر ليبوفتسكي لكتابه العمدة “عصر الفراغ: الفردانية وتحولات ما بعد الحداثة”، وقد جعله اللبنة الأساس التي أقام عليها صرحه الفكري، والأصلَ الذي رَشَحَت عنه مجموعة من القضايا التي خصّها بعد ذلك بكتب مستقلة تشهد جميعها على إبداع ثرّ وواسع امتد على مسافة زمنية تجاوزت ربع قرن. وقد كان الرهان الذي قطعه ليبوفتسكي على نفسه منذ بداية عهده بالتأليف أن يوجه مجهوده الفكري نحو رصد التحولات التي طرأت على المجتمعات الغربية المعاصرة بعد دخولها في مرحلة “ما بعد الحداثة” أو مرحلة “الحداثة المفرطة”، بحسب التسمية الأثيرة لديه، وتتبُّع التغيرات التي مست جملة من الموضوعات الهامة مثل: الديمقراطية، والإغراء، واللامبالاة، والنرجسية، وثورة الفردانية الثانية، وطغيان حس الدعابة، والنسوية الجديدة، والإعلام، واستبدال العنف المتوحش بعنف مرن ولين…إلخ. وذلك بطريقة تختلف عما دأبت عليه أقلام الباحثين الذين خاضوا خوضه وسلكوا الدرب نفسه الذي خطه لكتابته( )، وهو اختلاف يمكننا أن نرصده من جهتين؛ أولاهما شكلية تتمثل في مزاوجته بين مستويين في الكتابة: مستوى التنظير الموغل في التجريد أحيانا، ومستوى السرد التفصيلي القائم على تعديد الأمثلة وترصيف الشواهد المعضدة لما يتبناه من أفكار وطروحات، يمتحها، في تأكيد لموسوعيته وسعة إطلاعه، من بيئته الفرنسية أو من بيئات أخرى أوروبية أو أمريكية. أما الجهة الثانية فتكمن في اختلاف الرؤية التي يتبناها حول القضايا التي يطرقها عن رؤى غيره من الباحثين الآخرين ممن تصدوا إلى نفس الإشكال أو قاربوا القضايا ذاتها؛ وهذا الاختلاف نراه أحيانا اختلاف مباينة، يقف فيه ليبوفتسكي على طرف نقيض مما يذهب إليه غيره، وأحيانا أخرى نلفيه اختلافا نسبيا يبدي خلاله اتفاقا مع أطروحة الغير لكنه يتجاوزها ويطورها، كاشفا فيها عن جوانب لم يتفطن إليها أصحابها. وفضلا عن هاتين الخصيصتين يمتلك ليبوفتسكي ناصية الحفر الأركيولوجي في أعماق النفوس البشرية والذوات الجماعية وجذورها، مدفوعا بالرغبة في تعريتها من أوهامها وتفكيك نُظم عيشها للكشف عن حجم التغير والتبدل الذي حدث لها جرَّاء ما اعتراها من تقلبات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية.
بناء على ذلك، يمكننا القول أن كتابات ليبوفتسكي، وهذه ميزة وليست نقيصة، لا تعالج القضايا بنفَس تأملي تجريدي خالص على طريقة الفلاسفة؛ ولا هي تكتفي برصد الظواهر في الواقع وتتبع مساراتها وتعرجاتها بالاعتماد على الرصد الكمي والتقويم الكيفي مثلما دأب على فعل ذلك السوسيولوجيون؛ ولا هي تقتصر على دارسة سيرورة تشكل الظواهر ومتابعة تطورها على مدى زمني معين بغرض الكشف عن تقلباتها وما اعتراها من تحول كما يفعل المؤرخون؛ بل هي بالأحرى عبارة عن خلطة فكرية تتداخل في تشكيلها مباحث عدة يَعرف ليبوفتسكي كيف يتحكم في مقدار حضورها وإسهامها، بما عُرف عنه من دقة في الملاحظة وعمق في الرؤية وحِدَّة في الأسلوب، يرصد لنا من خلالها خطورة وقتامة الوضع الذي آل إليه حال المجتمعات الغربية المعاصرة بعد أن دخلت في حقبة مباينة تماما لما راهن عليه صُناع التنوير( ) الذين بشروا بمرحلة حداثية كان من نتائجها أن اضمحلت الفروق بين مراتب الناس تدريجيا، وتداعت الحواجز التي كانت تفصل بينهم، وغمرهم ضوء العقل، وتفتقت مواهبهم، واتجهت قدراتهم إلى المساواة، وأخذ سلطان الديمقراطية يغشى تدريجيا النظم والأعراف والعادات في سلاسة وهدوء، فسمت طباع الناس، وتهذبت سلوكاتهم، وتحررت مخاوفهم، وعم الرخاء والعيش الرغيد حياتهم، حتى اعتقد الجميع أنه ما من حياة أرقى ولا أجلب للرضا من تلك التي يحيون في كنفها. لكن ما هي إلا عقود قليلة، حتى انقشع زيف النعيم الموهوم والسعادة الكاذبة، وتبين أن المساواة الاجتماعية التي كانت المطلب الأسمى والمرغوب الأسنى، ليست خيرا كلها، وأن الديمقراطية وإن كان لها عظيم الأثر في مجرى شؤون المجتمع كله، فإن لها مثالب تغافل الناس عنها فخضعوا لها في ذلة وهوان، وعبدوها على أنها صنم القوة، وبعد أن وهنت من جراء إسرافها على نفسها صارت خطرا يحدق بهم ويتهدد المجتمع ككل. ولعل ذلك ما صار فعلا، فقد وجدت المجتمعات الغربية نفسها تتعرض لرجة مختلفة، رجة “ناعمة” إن صح التعبير، هزت المجتمع والأعراف والفرد المعاصر جَراء بروز نمط جديد من التنشئة الاجتماعية والفردية أحدث قطيعة مع ما كان سائدا منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، من أبرز ما تَولد عنه هجر الأفراد لأنساق المعنى الكبرى التي أفرزتها الحداثة، وسقوطهم في براثن فراغ مهول جرّاء انغماسهم في الشخصنة المُتعية ووقوعهم في حبائل النرجسية التي تعكس الفردانية في معناها الشامل من حيث أنها ضرب “من اللامبالاة المرتخية” المتحررة من سطوة المُثل العليا الجماعية، ومن التشدد التربوي والأسري والجنسي، والمنصرفة إلى نفسها ومُتعها، ضاربة صفحا عما يقع خارجها أو بالأحرى خارج عالمها، ومتوجة لسطوة الفضاء الخصوصي وتسيّده على الفضاء العمومي.
وأقصى ما نطمح إليه في هذا المقال، أن نرصد بإيجاز شديد بعض سمات وخصائص هذه المرحلة الجديدة من حياة المجتمعات الغربية والتي شهدت ميلاد أوضاع مغايرة من جملتها ظهور شكل جديد لضبط السلوكيات، وتنوع في أنماط العيش وتبدل ملحوظ في المعتقدات والأدوار، وبعبارة مجملة، ميلاد مرحلة جديدة من تاريخ الفردانية الغربية تعتمد نهجا ديمقراطيا متقدما لكن فهمه يتطلب منطقا جديدا، لأن الديمقراطية في هذا الوضع الجديد ما عادت محض نظام سياسي يحترم الحريات الأساسية ويتقيد بضوابط الممارسة السياسية كما ترسخت في مخيال وعُرف هذه البلدان، بل أضحت روحا أو ثقافة تسري في جسد المجتمع برمته، أَلفتها النفوس واعتادت على جوِّها الأمزجة، فما صار بمكنة أحد أن يجرؤ على التشكيك في نجاعتها أو يبحث في ما إذا كانت قد حادت عما انتُدبت له جرّاء ما اعترى المجتمع الذي تمارَس فيه من تغيرات وتقلبات. والحال أن الحريات الفردية، التي هي أكبر ما غنمته مرحلة ما بعد الحداثة من الحداثة، بقدر ما حملت الديمقراطية وحمتها، بقدر ما جعلتها أسيرة مصالحها الخاصة ورهينة رغباتها الشخصية، فكان ذلك إيذانا بتحول في ماهية الديمقراطية قُدَّت بموجبه على مقاس الحياة المشخصنة التي هي ميزة هذه المرحلة الجديدة وعلامتها البارزة.
1- شخصنة المجتمع أو دمقرطة المنطق المُتعي:
مَثَّل اكتشاف ليبوفتسكي لأعمال ألكسيس دي توكفيل، عن طريق كلود لوفور (Claude le fort)، خطوة هامة في رسم معالم الطريق التي سيسلكها والمنحى الذي سيتّبعه في توجهه الفكري؛ حيث عقد العزم منذئذ على النبش في ما نبش فيه سلفه في مؤلفه العمدة “الديمقراطية في أمريكا” على أن ينهض لتطوير أطروحته المركزية فيعمقها ويوسعها من خلال رصد التحول الحضاري الذي لحق بالمجتمع الغربي المعاصر ولا يزال مستمرا، والذي انتقل بموجبه من مرحلة الحداثة إلى مرحلة تواطأ الباحثون على تسميتها بـ “ما بعد الحداثة” دون أن يخرجوا بتعريف موحد لها يضبط ماهيتها ويحدد مواصفاتها؛ ومع ذلك فإن أغلبهم ينظر إليها باعتبارها الحداثة عينها وقد فقدت حيويتها وخفَت رنينها واضمحل عمقها وفقدت قدرتها على تنظيم حياة البشر ومنحها معنى. بمعنى آخر، إن ما بعد الحداثة هي الحداثة وقد أضاعت صلتها بجذور حداثتها( )؛ إنها بمثابة موجة عميقة وشاملة غمرت الظاهرة الاجتماعية في كليتها، يحكمها منطق جديد يصطلح عليه بـ”عملية الشخصنة”، تعد شكلا جديدا لتنظيم المجتمع وتوجيهه وتدبير سلوكيات أفراده، وهي تحيل على أمرين متقابلين، أحدهما سالب يشير إلى التشقق الذي أصاب التنشئة الاجتماعية الانضباطية، والآخر موجب يحيل على تشكل مجتمع مرن قائم على الإعلام، وإثارة الحاجات، والجنس، وتقديس الطبيعي وروح الدعابة.( ) وقد كان من تبعات هذه العملية المستجدة أن تصاعدت حدة التمركز على الذات، واللامبالاة بالمصلحة العامة، وغلبة الفردي على الكوني، والنفسي على الإيديولوجي، جاعلة من المرحلة الراهنة في نظر ليبوفتسكي بمثابة “ثورة فردانية ثانية” تمثل جولة ثانية في المسار التاريخي للفردانية. فما هي أبرز سمات هذه الثورة الجديدة؟ وما الذي يميزها عن الثورة الفردانية الأولى؟
بَدهي أن الثورة الفردانية الأولى المقصودة هنا هي تلك التي جلبتها ودافعت عنها بشراسة الثورة الحداثية التي ليست في نظر ليبوفتسكي “إلا وجها من أوجه سيرورة علمانية أوسع قادت إلى ظهور مجتمعات ديمقراطية تأسست على سيادة الفرد والشعب، وعلى التحرر من الخضوع للآلهة والهرميات المتوارثة وسطوة التقاليد. إنها امتداد ثقافي لسيرورة برزت بسطوع داخل النظام السياسي والقانوني مع نهاية القرن الثامن عشر، واستكمال لعمل ثوري ديمقراطي شكل مجتمعا خاليا من الأساس الإلهي، وتعبير خالص عن إرادة الناس المعترف لهم بالمساواة.”( ) ولئن كانت الثورة الحداثية قد ركزت على الفرد وأعلت من قدره وأرخت له العنان ليُظهر نبوغه وإبداعه في شتى مجالات الحياة، وليعيش حياته متحررا من ربقة الضغط اللاهوتي الذي كان جاثما على نفسه لقرون، حتى أضحى (أي الفرد) القيمة المركزية التي تبدأ الحياة معها وتنتهي عندها، فإن مما يجدر بنا ذكره في هذا الصدد أن الفردانية التي أرست دعائمها هذه الثورة كانت انضباطية ومناضلة وبطولية وواعظة أخلاقية مفعمة بالثقة في المستقبل وفي الغد المشرق، بينما أفسحت الثورة الفردانية الثانية منذ سنوات الستينيات من القرن العشرين المجال أمام ظهور فردانية جديدة تكاد تقطع مع سابقتها من حيث أنها “تتميز بكونها مُتَعية ونفسية، وتجعل من التحقق الذاتي أهم غاية في الحياة. ما أدى إلى اندحار المشاريع المجتمعية الكبرى، وتآكل الهويات الاجتماعية والمعايير الإكراهية، وإلى تقديس حرية التصرف في الذات على مستوى الأسرة والدين والجنس والرياضة والموضة والانخراط السياسي والنقابي.”( ) فما السبب في هذا التغير الفجائي الخطير؟
إنها ثورة الحياة اليومية متجسدة في عملية الشخصنة التي غزت الهوية الشخصية وطالت جميع مناحي الحياة، ومنحت الفرد الحق المطلق لأن يكون نفسه بالصورة التي يريد، دافعة إياه بذلك إلى أقصى حدود النرجسية. وقد أجمل ليبوفتسكي ملامح ومواصفات هذه المرحلة الجديدة، مرحلة ما بعد الحداثة، في قوله: “إن الزمن ما بعد الحداثي هو المرحلة الباردة ومنزوعة الأوهام من الحداثانية، واتجاه نحو أنسنة على المقاس للمجتمع، وتطوير لبنى سائلة تصاغ وفقا للفرد ورغباته، وتحييد للصراعات الطبقية، وتبدد للمخيال الثوري، وتنام للامبالاة، ونزع نرجسي للجوهر، وإعادة استثمار بارد للماضي.”( ) إنها باختصار مرحلة آثر فيها الإنسان أن يعيش الحاضر ولا شيء غير الحاضر، ولم يعد يرغب في أن يعيش وفقا للماضي والمستقبل. فلا شيء أمسى يهمه غير هنا والآن، وقد كرس حياته لتحقيق كينونته ورفاهيته عبر ضروب من الاستهلاك الجديد الذي اتخذ طابعا باردا ومائعا ملأ عليه حياته المتعية وأفرغها في المقابل من جوهرها وهضم قدرتها على النقد والمساءلة، محررا بذلك الفضاء الخاص الذي بلع كل شيء يدور في فلكه بما في ذلك القيم المتسامية، ومضى نزع الجوهر إلى متمه بعدم القدرة على الإحساس والفراغ العاطفي، فسقط الفرد في الفراغ.
على أن هذا الوضع الجديد ليس بالأمر الطارئ، أو بالحدث الذي تولد بصورة طبيعية كنتيجة لحتمية تاريخية لم يكن منها بدّ، بل هو وضعٌ دبرته وخططت له المؤسسات الكبرى ووسائل الإعلام واستنفد من أهل الحل والعقد سنوات ذوات العدد قبل أن يستوي على سوقه في صورة مجتمع استهلاكي أتى على قيم الحداثة ومُثلها، واستبدلها بقيم ومعايير استهلاكية فرَّ بموجبها الأفراد نحو متعهم وإشباع ملذاتهم الآنية التي لا تنضب، وأعلنوا في المقابل استقالتهم من الشأن العام ومِن كل ما لا يمت للحياة الخاصة بصلة، فدخلوا بذلك عهدا جديدا شعاره “اللامبالاة” والتمترس داخل أسوار الذات، فأمسى الواقع أشبه بصحراء قاحلة جرّاء “موجة من الانسحاب التي أصبحت بسببها جميع المؤسسات وكل القيم والغايات الكبرى التي نظمت المراحل السابقة تدريجيا مفرغة من جوهرها”( )، فتحول الجسد الاجتماعي إلى جسد فاقد للحياة وجسم متخلى عنه. وكان من تبعات ذلك أن فقد الإنسان صلته بالمعنى، واعترى الفتور علاقته بمختلف القطاعات الحيوية؛ فأصبح ميدان التعليم منزوع القداسة ومبتذلا بعدما تم إفراغه من لبه وتحييد دوره في بناء الإنسان الواعي المحصن ضد أي استلاب أو تشييء، وشهد مجال السياسة فتورا لا تخطئه العين، تجلوه نسب الامتناع عن التصويت، وتراجع الوعي الإيديولوجي الصارم لصالح فضول مشتت كان للإعلام فيه اليد الطولى والدور الأكبر، وسقطت السلطة من عليائها، ونزلت الفخامات والمهابات عن عروشها، وتمت علمنة القانون، وأقحم الكل في مساواة مبتذلة لا تراتبية فيها ولا إقصاء. والأمر ذاته يسري على باقي المجالات، بما في ذلك الترفيه الذي وإن شهد إقبالا لم يُعهد من قبل، فإن الفتور الذي دَاخَلَه كان سببه تعدد وتنوع إمكانات الاختيار التي أُغرِق فيها الفرد وبصورة تصيب بالدوار، فبات الإنسان في وضع شتات وحيرة، لا يتمسك بشيء، ولا يملك يقينا مطلقا، ويكون في انتظار كل شيء، ولا تثبت آراؤه على حال، وأمسى مستقلا لكن من دون قوة، ومتحررا لكن من دون إرادة.
وليست هذه التغيرات التي طالت الذوات في المجتمع الغربي بمدعاة للاستغراب إذا ما علمنا بأنه “لا تحدث ثورات من غير أن تهز معتقدات الناس القائمة وتضعف السلطة، وتلقي الشكوك والغموض على الآراء المأثورة التي درج الناس على الأخذ بها. فكل ثورة تؤدي إلى تحلل الناس من القيود، وتتركهم وشأنهم في أمور سلوكهم، وتفسح لعقل كل واحد منهم مكانا واسعا يكاد لا يحد.”( ) على أن الفرد ما بعد الحداثي وإن كان يعيش في ظل ثقافة غير متمركزة وغير متجانسة، قطعت صلاتها بقيم الحداثة الكبرى بفعل عملية الشخصنة، فإنه لم يصل بعد إلى مرحلة الضياع المطلق للمعنى ونزع الشرعية عن كل شيء، فقد أبقى، من جملة ما أبقى عليه، على قيمة مشتركة تتمثل في “الحداثة الديمقراطية الفردانية”، وهي قيمة ظاهرها عسل وباطنها علقم، والسبب في ذلك أنها خضعت بدورها لعملية الشخصنة، وتحول الإنسان الفرداني إلى ما يصفه ليبوفتسكي بـ “النرجسي” الذي كان ميلاده إيذانا ببلوغ الإنسان المعاصر “الذروة الأخيرة لخيال المساواة الديمقراطي: إنه تفرد الآخر الذي يجعله قريبا مني، ولا يشبهني، أخي…”.( ) وقد أسفرت هذه المساواة، التي لم تأت كإفراز طبيعي لتطور المجتمع بقدر ما كانت صنيعة نظام، كما أسلفنا القول، عن تطبيع سكان الكوكب الجديد مع النزعة الاستهلاكية والنفسية المفرطة واعتصامهم بعوالمهم الخاصة ومطالبتهم بحكم النفس لنفسها. وهذه في ما نحسب أجلى صور تحقق الديمقراطية كما نادت بها اليونان القديمة، مع فرق وحيد، لكنه دال، أنها ديمقراطية مقطوعة الصلة بالايديولوجيات البطولية لأنها ببساطة ديمقراطية فقدان الاتجاه، وانعدام الأمان والإحباط، لأنها تهب أفرادها كل شيء،( ) وتسلبهم في المقابل كل شيء، جوهرهم؛ تأخذ منهم حريتهم الفاعلة أو تعطلها، وتمنحهم حرية وهمية يصرفونها في ما يحقق لهم متعهم ويستجيب لرغباتهم ويخمد نار شهواتهم ونزواتهم. وقد أجاد توكفيل في وصف هذه الحال بعبارة لا يزال مضمونها ساري المفعول اليوم، يقول: “الأمم الديمقراطية فيها ميل طبيعي إلى الحرية. ولكن الحرية ليست هدفها الأول الدائم الذي تتجه إليه رغائبها، أما المساواة فمعبودها الخالد. فالناس في هذه الأمم يبذلون جهودا سريعة فجائية للحصول على الحرية، فإن لم يصيبوا غرضهم استسلموا للفشل. ومع ذلك فليس شيء يرضيهم غير المساواة، وإنهم ليؤثرون الموت على أن يفقدوها.”( )
ولَعمري إني لأجد هذا الوصف منطبقا على الأفراد في المجتمعات الغربية المعاصرة؛ فبقدر ما تشهد حريتهم توسعا ورحابة بقدر ما تغدو هذه الحرية مدجنة ومنزوعة المخالب، بفعل تحول الأفراد إلى مواطنين مسالمين وطيّعين لا يأبهون لشيء غير ما يحقق متعهم الخاصة ويعزز حميميتهم، وما عادت الدولة في حاجة إلى استعمال أدوات المنع والقمع التقليدية لأنها فقدت مسوغاتها في ظل التحول الذي أتينا على ذكره، لذلك عمدت إلى تسهيل ممارسة الأفراد لحرياتهم دونما رقابة، أو لِنَقُل إنها استعاضت عن الرقابة القديمة التي كانت تتم انطلاقا من نسق منعي، برقابة جديدة مسايرة للعصر الجديد، تتم انطلاقا من نسق تحرري، فاسحة المجال أمام الإغراء ليفعل فعله في تذويب التصلبات وتليين الجمود. بمعنى أن هذه الرقابة الجديدة، لم تعد تستهدف الوقوف في وجه رغبات الأفراد، كما لم تعد تولي كبير اهتمام لكبح جماح ميولاتهم وما تشتهيه أنفسهم. وليس مردّ ذلك إلى تقصير من جانبها ولا إلى حرصها على ما يحقق سعادة المواطنين، وإنما ليقينها بأن هؤلاء قد ركنوا، بعد الذي وظفه بيروقراطيو المعرفة والسلطة من كنوز الخيال وأطنان المعلومات، إلى عوالمهم الخاصة وهجروا الفضاء العام، وأصيبت الثقافة المضادة بالإعياء فما عاد يوجد ما يُخشى منه، بعدما ساهمت عملية الشخصنة في تذويب القوانين وفرض قواعد جديدة تصلح لإنتاج شخص مسالم، في مُكنته أن يقول ما يشاء ولكن دون صراخ، وأن يقول كل ما يريد على أن لا يمر إلى الفعل؛ وعلى هذا الأساس ما عادت الدولة تهتم بإعاقة أي تعبير عن الرأي، بل عمدت إلى رفع الشرعية عن كل الآراء وتمييعها، وجعلها بدون معنى.
يقول جويل رومان (Joel Roman) ارتباطا بذلك: “أي جدوى من الحرية حين يتم إفراغها من محتواها، وحين تعادل القدرة على التعبير عدم قول أي شيء؟ ما الذي يهددنا أكثر، هل مقص الرقيب أم ذلك المد من الخطاب الذي لا يزعج أحدا؟”( ). كما أن التربية لم تعد سلطوية ولا متكلفة، بل استبدلت رداءها الإكراهي الجبري برداء سلس وناعم أمست بموجبه “متساهلة للغاية ومستمعة لرغبات الأطفال والمراهقين، في الوقت الذي تقوم فيه الموجة المتعية بنزع الشعور بالذنب عن الزمن الحر، وتشجع على تحقيق الذات دون قيود وزيادة الأنشطة الترفيهية.”( ) وتخلى السياسيون، من جهتهم، عن خطابهم المتعالي وعن الدروس البيداغوجية المجردة، ولغة الخشب، والأدوار المتفاصلة والتقليدية لصالح “خطاب مؤنسن” يساير السلوك ما بعد الحداثي للإنسان الديمقراطي. والأمر ذاته يسري على مجمل مناحي الحياة اليومية؛ فقد تلاشت، في زمن الإبهار، تلك التناقضات الصلبة، بين الحقيقي والمزيف، وبين الجميل والقبيح، وبين الواقع والوهم، وبين المعنى واللامعنى، وأصبحت المتضادات عائمة.( ) ففقد الإنسان صلته بالمعنى وبات يخبط خبط عشواء متحررا من ربقة أي هدف أو غاية سامية، وقصّر اهتمامه على تأمين صحته وحماية وضعه المادي والتخلص من “العقد” وانتظار العطل، واختزل حياته في شعار دال مقتضاه “حيث كانت الأنا ينبغي أن أصير”.( ) وبذلك تكون النرجسية قد توفقت في إفراغ الأنا من آخر معاقل المقاومة لديها، وصَيَّرتها كائنا لا حول له ولا قوة إلا ما يسعفه في تلبية مآرب يقتصر عليها في تحمل حياةٍ عبثا يحاول أن يقنع نفسه بأنها سعيدة. ولعل واقع الحال يكشف بما لا يدع مجالا للشك بأن الإنسان المبادر، الحر، المتحكم في اختياراته، الواعي، العاقل بدأ في الانحسار، في ظل فضاء جديد، لم يعد التفكير فيه ممكنا، إلا في غياب الإنسان. وهذا الغياب يعزى في المقام الأول إلى المفعول الذي تحدثه “إيديولوجيا الاختراق” كما سماها المفكر الراحل محمد عابد الجابري، والتي تعمل على إثارة إدراك الفرد واستفزاز انفعاله وحجب عقله، مُحَوِّلة إياه إلى فرد مستسلم أُخضعت نفسه، كما أُخضع بدنه بأحاسيسه وانفعالاته واشتهاءاته، فركن إلى نفسه، واختار، أو لِنَقُل بأنه دُفع دفعا إلى اختيار الخيار الشخصي، وبِاسْم الحرية، كرس النزعة النرجسية التي ليست حسب ليبوفتسكي “إلا الدرجة الصفر من الحياة الاجتماعية”.( ) على أن ذلك لا يفيد أن هذه النزعة تسقط حق الآخر أو تتنكر له، بل كل ما يعنيه أنها تعمد إلى “النسخ التدريجي للواقعين الفردي والاجتماعي في مدونة الذاتية”( ) في انسجام وتناغم تامين مع القيم الفردانية الديمقراطية التي روج لها الاستهلاك الجماهيري على نطاق واسع.
2- ديمقراطية أكثر.. ومُواطنة أقل:
ما أشبه ما آل إليه وضع المجتمعات الغربية المعاصرة، بما عاينه أليكسيس دي توكفيل خلال رحلته إلى أمريكا، ولا إخال إلا أن صرخته المدوية – التي تتخذ صورة وصف لواقع حال دولة حديثة العهد ينعم شعبها بالديمقراطية ويرفلون في نعيم البذخ والاستهلاك المفرط ومع ذلك تظهر على وجوههم سيماء من لا يشعر بالسعادة ولا يستلذ طعم الحياة الراضية الهنيئة – تصلح أيضا لوصف حال المجتمعات الغربية راهنا مع ما بين الوضعين من مباينة في الزمن، يقول: “ترى هل كان هذا حظ الأجيال التي سبقت جيلنا؟ هل كان الإنسان يعيش دائما في مثل دنيانا هذه، حيث كل شيء في غير موضعه الذي يجب أن يكون فيه، وحيث الفضيلة في غير أهل العبقرية، وذوو المواهب خلو من الشرف، وحيث يختلط حب النظام بالميل إلى ذوي البطش، والاستبداد، وتختلط عبادة الحرية المقدسة باحتقار القانون، وحيث الضوء الذي يلقيه الضمير على أفعال الإنسان ضوء فاتر، وحيث لم يعد شيء يبدو محظورا، أو مسموحا به، كريما أو عارا، حقا أو باطلا؟”( ). ولا يجد ليبوفتسكي بُدًّا من تعضيد قول توكفيل وتزكية نبوءته التي يرى أنها تجد تجسدها الأقصى في النرجسية ما بعد الحداثية، بالنظر لما عاينه من تشابه بين الوضع الذي عاينه توكفيل ويجلوه قوله، والوضع الغربي الراهن الذي يشهد ابتذالا غير مسبوق سقطت فيه كل القامات من عليائها، وتزحلق كل شيء في لا مبالاة مرتخية. وهذا تحديدا ما سعت وراءه المجتمعات الديمقراطية خلال قرن حيث “أصبحت السلطات أكثر اختراقا ورعاية وتسترا على نحو متزايد، وأصبح الأفراد أكثر اهتماما بأنفسهم و”ضعفاء”، أو بمعنى آخر غير مستقرين ودون قناعات.”( ) فهل يعني هذا أن المنطق الذي أضحى يحكم مرحلة ما بعد الحداثة لا يعدو أن يكون استمرارا للمنطق الذي حكم مرحلة الحداثة، وأن الفروق بينهما ما هي إلا فروق عرَضية لا تمس الجوهر في شيء؟
يعتقد ليبوفتسكي أن المنطق العميق للنزعة الحداثية، وإن كان ثوريا، بالنظر إلى أنه قلَب العلاقة بين الفرد ومجمل النسق الاجتماعي لصالح الكائن الفرد الحر والند للآخرين، فهو يماثل المنطق الذي يحكم مجتمع ما بعد الحداثة، التشاركي والمائع والنرجسي. عدا أن المتعية المتولدة عن سيادة مجتمع الاستهلاك كانت مقتصرة في الفترة الحديثة على عدد من الفنانين المناهضين للبورجوازية، بينما أمست في الفترة ما بعد الحداثية قيمة مركزية مهمينة على الحياة اليومية ككل. إلى حد صارت معه الثقافة المعاصرة تبدو “كدمقرطة للمتعية وكتكريس معمم للجديد، وانتصارا لمناهضة الأخلاق ومناهضة المؤسساتية.”( ) والمتعية تؤدي لزاما، حسب ليبوفتسكي، إلى فقدان المواطنة، وإلى التمركز حول الذات واللامبالاة بالمصلحة العامة، وإلى غياب الثقة في المستقبل وتراجع مشروعية المؤسسات.”( ) وإذا كان المنطق يستسيغ أن تؤدي النرجسية وطغيان عملية الشخصنة على حياة الأفراد إلى تراجع حس المواطنة ونكوص عواطف الوطنية النزيهة القائمة على إيمان ثابت لا يتزعزع، جراء إحلال العناية بالمصالح الشخصية محل العناية بالمصالح العامة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هاهنا يكمن في الآتي: هل يتخلى الأفراد عن الديمقراطية ويضربون عنها صفحا لاسيما بعد فتور الحس الإيديولوجي لديهم وخفوت صوت النضال وركونهم إلى متعهم الخاصة ومآربهم الضيقة؟
لا يرى ليبوفتسكي ذلك، فهو يعتقد أن الديمقراطية لم تعد مشروطة بالانخراط الإيديولوجي، كما كان عليه الحال في السابق، وهنا مكمن قوتها، بل لقد تركت الشرعنة الإيديولوجية المعاصرة للعصر الإنضباطي مكانها لتوافق وجودي ومتسامح، وأصبحت الديمقراطية طبيعة ثانية وبيئة ومناخا.( ) بمعنى أن الأفراد وإن ذابوا في فضاءاتهم الخصوصية، وعبروا عن استيائهم السياسي والإيديولوجي، فإن ذلك لا يدل بأي حال على تراجع تعلقهم بالديمقراطية؛ فهم لا يصوتون لكنهم يتشبتون بالحق في التصويت، ولا يهتمون بالبرامج السياسية لكنهم يطالبون بوجود الأحزاب، ولا يقرؤون الصحف ولا الكتب لكنهم يتشبتون بحرية التعبير. وباختصار إنهم يبدون امتعاضهم من الشأن السياسي ويُتَفِّهونه بشكل يبعث على الدهشة ويحولونه إلى شيء “مرح”، لكن المفارقة تكمن في كون كل ذلك يحدث داخل حلبة الديمقراطية ذاتها.
واللافت للانتباه في زمن ما بعد الحداثة، أن طغيان النرجسية الفردية وإن كان قد أفرز تراجعا في الاهتمام بالشأن السياسي، فإنه قد أفسح المجال في المقابل لظهور نرجسية جماعية تكمن أهم ملامحها في زيادة الاهتمام بالشأن الجماعي، الذي يشهد عليه تكاثر الجمعيات ومجموعات الدعم والتعاون، وتمتين الصلات والروابط مع مجموعات تدافع عن مصالح مصغرة ومتخصصة جدا مثل تجمعات الأرامل، آباء الأطفال المثليين جنسيا، المدمنين على الكحول، الأمهات السحاقيات… إلخ. وهي “ظاهرة تكشف من جهة عن تراجع الأهداف الكونية إذا ما قارنا بينها وبين النضال الإيديولوجي والسياسي في الماضي، كما تكشف من جهة ثانية عن الرغبة في الاجتماع بأناس يتقاسمون الاهتمامات اللحظية والمحصورة نفسها.”( )
ولعل ما سبق ذكره يسعفنا في القول بأن المجتمعات الغربية قد دخلت اليوم عصرا مختلفا يمكن وسمه بأنه عصر المواطنة الخفيفة (citoyenneté light) وهي مواطنة تجسد حسب ليبوفتسكي امتدادا للخفة التي طالت مناحي عديدة من الثقافة الغربية؛ كالاقتصاد، والسياسة، واللعب، والتقنية، والتعليم وغيرها، حيث وقع تفريغ تفسيرات العالم من النزعة المذهبية المتصلبة فاضمحلت خطورتها، وتم إدخالها في النشوة الخفيفة للاستهلاك وللخدمة اللحظية.( ) وامتهنت السياسة، وسقطت النضالية والعناصر النقابية، وأصبحنا في حضرة ديمقراطية أقل ركونا للعقائد الخانقة، وأكثر تناغما وارتباطا بنوعية الحياة وبالحريات الفردية؛ وأشد تنسيقا لروح المواطنة وفق المنطق الاستهلاكي، واجتهدت عملية الشخصنة في شرعنة الديمقراطية كعامل مساعد على تثمين الحرية والتعددية في كل مكان. ولا ينبغي لذلك أن يثير استغرابنا أو يسترعي دهشتنا لأن الواقع يكشف بما لا مزيد عليه على أنه “كلما تنامت النرجسية كلما انتصرت الشرعية الديمقراطية، ولو في شكلها البارد. إذ توجد علاقة قرابة وثيقة جدا بين الأنظمة الديمقراطية، بتعدديتها الحزبية وانتخاباتها والحق في المعارضة والمعلومة الذي تكفله، وبين مجتمع الخدمة الذاتية المشخصن، والتجريب والحرية التوفيقية.”( )
وتبعا لذلك، تكون الديمقراطية قد حافظت على مشروعيتها، لكنها في المقابل فقدت بعضا من قوتها التي لا تبلغ تمامها إلا وهي “محمولة على رغبة في التحرير تكتسب على الدوام حدودا جديدة”( )، واستبدلت رداءها الثوري القديم الذي كان يفرض عليها اليقظة الدائمة والتحفز المستمر لمحاربة من يتربص بها ويجترئ على مبادئها، برداء أضفى عليها سمة النعومة والبرودة جراء غياب عدو حقيقي كما يقول ليبوفتسكي في وصفها: “لم يعد هنالك حزب واحد يرفض قاعدة التنافس السلمي على السلطة، ولم يسبق للديمقراطية أن اشتغلت دون وجود عدو داخلي معلن (باستثناء المجموعات الإرهابية الأقلية التي لا يتبعها أحد) كما تشتغل الآن، ولم يسبق أن كانت بهذا القدر من التناغم مع الأعراف كما هي الآن، ومع صفات فرد رُوِّض على الاختيار الدائم، ويشعر بالحساسية من السلطوية والعنف، ويعيش متسامحا ومتلهفا للتغيير المتكرر لكن دون مخاطر كبرى.”( ) إنها بتعبير آخر ديمقراطية على مقاس الوضع المشخصن الذي أصبح قدَر الإنسان الغربي المعاصر؛ فهي تخلق في الأفراد تهييجا غامضا، لا يتجه إلى غرض محدد، في صورة حمى مستمرة ومستعرة تظل تدفعهم إلى اللهت وراء مزيد من الطلبات والاحتياجات المتجددة والمتنوعة والتي لم تكن تخطر لهم على بال من قبل، تبقيهم حبيسي دائرة مغلقة ومقفلة بإحكام لا يُعرف لها أول ولا آخر، وتغرس فيهم ثقافة المساواة التي تعيد تثمين الطارئ والضجيج والصراخ والحياة اليومية وتؤدي إلى إعادة تدوير كوني للمعاني والأشياء الصغيرة.( ) ولا غرو في ذلك طالما أن الديمقراطية في ما يقول لويس ديمون تستهدف “استبدال الإنسان المراتبي بالإنسان المتساوي”.( )
خاتمة: دمقرطة الحياة التعيسة..مأزق الغرب الوجودي
ربما لا نجانب الصواب إذا قلنا إن ما توصل إليه ليبوفتسكي بعد الجهد الذي قام به لتشريح وتحليل واقع حال المجتمعات ما بعد الحداثية، لا يعدو أن يكون تأكيدا لنبوءة توكفيل التي صدح بها في القرن التاسع عشر والتي مؤداها أن “الغالبية من المواطنين سيستمتعون بقسط أوفر من الرخاء والازدهار، ويظل الشعب كله أكثر مسالمة، لا لأن اليأس قد استولى عليه من قدرته على تغيير أوضاعه إلى ما هو خير منها، بل لأنه صار يشعر أنه في خير ورضى فعلا.”( ) لكنه رضا مشوب بمسحة من الكدر غير المبرر، يشي بأنه مجرد رضا وهمي ناتج عما يجلبه الاستهلاك من متع لحظية عابرة، وما يولده هامش الحرية الكبير في نفوس الأفراد من شعور بأنهم قد أمسوا متحكمين في قراراتهم وماسكين بزمام حياتهم. والحال أن الحرية الإيجابية بالصورة الملحوظة في المجتمعات الغربية لَتدعو إلى الحيطة والحذر أكثر مما تبعث على الثقة والتفاؤل؛ فهي بقدر ما فيها من جاذبية، تظل محملة بالخطر الذي من أجلى مظاهره أنها تتيح للنظام فرصة إفراغ الديمقراطية من طابعها التحريري، وقد أفرغت فعلا، لتتحول إلى ديمقراطية جديدة في لبوس استبدادي – ديمقراطية أمنية – ترفع اليد عن الحريات الخاصة المختزلة في الاستهلاك بأنواعه الاقتصادية والثقافية والسياسية وتزيد من تقييد حركات الأفراد وتحسب عليهم أنفاسهم في الحياة العامة.
فهل من سبيل يقترحه الكاتب لإخراج المجتمعات الغربية من هذا الوضع المأزوم؟ وما الذي يمكن أن يحدث في حالة ما إذا لم يعد الفضاء الخاص يحقق الرضا ويجلب المتعة للأفراد؟ وأيُّ ملاذ يحتمون داخله إذا ما ضاق بهم عالمه الحميمي كما ضاقت بهم حدود المجال الاجتماعي فهجروه وحدانا وزرافات؟
يعترف ليبوفتسكي بأن الإنسان المعاصر أصبح أمام مفارقة أنطولوجية خطيرة؛ فهو يطالب بالبقاء وحده، في عزلة أكبر ودائمة، لكنه في الوقت ذاته لا يتحمل نفسه إذا بقي في مواجهة معها، وهذه لَعمري سمة من يعيش وضعا انفصاميا تجلوه مطالبته الدائمة والمثابِرة بالمزيد من الحرية، حتى إذا ما تأتى له الانفصال عن الغير وشرع جانبه العلائقي في الانمحاء، استحالت حريته إلى عزلة لا تطيقها نفسه، وانتابه قلق وجودي ناتج عن هذه المراوحة بين الرغبة في البقاء وحيدا والألم الذي يرافق هذا الوضع. وهو ما يشي بأن البيئة الديمقراطية المختزلة في المساواة ودمقرطة الاستهلاك لم تفلح في أن تحقق لمواطنيها الحياة السعيدة التي حلموا بها، كما لم يتمكن منطق الغواية وكمّ المتع المحيطة بهم من إقناعهم بجدوى حياتهم وأهميتها، بل على العكس من ذلك سقط معظمهم في براثن فراغ مهول، ولّد لديهم شعورا قاتما بالتفاهة، وتبرما وضجرا وانهيارا، تعد تعبيرات دالة على عملية الانسحاب واللامبالاة التي سقط فيها الإنسان النرجسي الما بعد حداثي حين صار بمقدوره أن يعيش بلا هدف ولا معنى في تعاقب وميضي، أسفر عن “دمقرطة غير مسبوقة للحياة التعيسة”.( ) وهي وضعية يعيش بموجبها الأفراد كمونادات معزولة ومقطوعة الصلة بما يجول حولها بلغة ليبنز، أو ككبسولات رواد الفضاء بتعبير ليبوفتسكي، استسلمت للإغراء، المتحرر من سجن البنية الفوقية والإيديولوجيا، بشكل رضوخي طفلي، ورأت في الإفراط في الاستهلاك البارد والمتعية امتلاء ولَّد لديها إحساسا بالاعتبار الوجودي، فكان ذلك إيذانا بانتهاء عهد “الإنسان السياسي (homo politicus) ومَقدم الإنسان النفسي (homo psychologicus)، الباحث عن كينونته ورفاهيته.”( ) ولا مخرج لها من هذا الوضع غير السليم الذي هو ماضٍ في الاستفحال، أو التخفيف من غلوائه على أقل تقدير، في اعتقاد ليبوفتسكي، إلا عبر “فعل سياسي يجتهد في تقييد الرغبات غير المحدودة، وفي إعادة التوازن بين الفضاء الخصوصي والفضاء العمومي، وإعادة فرض إكراهات قانونية مثل منع البذاءة والإباحية والانحرافات، فهو وحده القادر على إعادة ضخ المشروعية للمؤسسات الديمقراطية”.( )
لا يبدو لنا هذا المقترح حلا ناجعا يمكنه أن يسعف المجتمعات الغربية المعاصرة في تجاوز محنتها وضبط توازنها، ولا نحسب أن ليبوفتسكي نفسه كان مقتنعا بجدواه تمام الاقتناع، مبررنا في ذلك قوله في موضع آخر ما مفاده أن من المتعذر الرجوع عن هذا المنحى (أي منحى شخصنة ونفسنة الحياة اليومية للأفراد وتحويل الحمولة العاطفية التي كانوا يصرفونها على مستوى الفضاء العام نحو الفضاء الخصوصي)، لأن هذا تحديدا ما سعت وراءه المجتمعات الديمقراطية خلال قرن من الزمن وبذلت في تحقيقه جهدا مضنيا. وعلى ذلك، يمكننا القول بنبرة أقل تشاؤما بأن هذه المجتمعات وإن فاتها إدراك تبعات ما أقدمت عليه وخططت له خلال قرن، فلا ينبغي أن يفوتها استدراك خطئها، أو قُل خطيئتها، وذلك لا يتم إلا من خلال إرادة سياسية قوية وصادقة يُبذل في سبيل أجرأتها على أرض الواقع من الموارد البشرية والمالية ومن الوقت أيضا مثل أو أكثر مما تَطَلَّبَه وضعها الحالي، لأن الإبداع البشري كما في مُكنته أن يخلق الداء الذي يدمره ويهدّ أركانه، في مقدوره كذلك أن يخلق الدواء الذي يعيد له توازنه ويصلح وضعه الذي حاد عن مساره الصحيح واشتطّ في جوانب وأهمل أخرى، فجعل المجتمع يفقد بوصلته ويصير أشبه بسفينة تمخر عباب البحر على غير هدي ودونما اتجاه. على أننا لسنا من رأي أولئك الذين يختزلون المشكلة برمتها في “الإنتاج الاستهلاكي” ويرونه المسؤول الأول والأوحد عما انتهى إليه وضع الأفراد من استلاب واغتراب وانغماسهم في عالم المتعة وركونهم إلى فضاءاتهم الخاصة وقطع صلتهم بالفضاء العام تاركين الحبل على الغارب لمحترفي السياسة والاقتصاد لتوجيه دفة البلاد أنى شاؤوا دون حسيب أو رقيب، بل نعتقد، على العكس من ذلك، أن الاستهلاك لا يمثل مشكلة، لأنه يُفترض أنه حل يضمن الرفاهية ويخلق المتعة ويوفر المنفعة، ونَضُمّ صوتنا، إلى صوت بيير بورديو، لنقول بأن الرأسمال الثقافي له النصيب الأكبر في الوضع المذكور، وهذا كما لا يخفى على أحد، تتحكم في إنتاجه وتمريره للأفراد عملية التنشئة الاجتماعية التي تتدخل فيها بنسب متفاوتة مؤسسة الأسرة وقطاع التعليم ووسائل الإعلام وبصفة عامة مجمل المؤسسات المسؤولة بصورة أو بأخرى عن تكوين العنصر البشري، والتي هي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تزود الأفراد بالمناعة الكافية التي تمكنهم من التحكم في أنفسهم في هذه الجنة الاستهلاكية الحديثة؛ إذ لَمَّا كان الجميع واعيا ومقتنعا بأن عجلة الاستهلاك تشق طريقها نحو الأمام بصورة لا تنفك وثيرتها تعظم وتتزايد، فإن الأَولى أن يعرفوا، وهم حتما يعرفون، بأن الحل لا يكمن في إيقاف دوران هذه العجلة أو التخفيف من سرعتها، وإنما في توعية الأفراد بأن يتعاملوا معها بهدوء ورزانة وأن يوازنوا بين حاجاتهم الأساسية ونزواتهم الزائدة لئلا يستلبهم منطق الغواية ويقوض كيانهم ويمحق شخصيتهم كذوات عاقلة فيكون في ذلك هدم لكيان المجتمع وطمس لهويته. ولا يتم ذلك، في اعتقادنا، إلا من خلال إحلال “وعي حقيقي” نقدي يتيح للفرد القدرة على التمييز بين القيم الإنسانية النبيلة والقيم الاستهلاكية المبتذلة، محل “الوعي الزائف” الذي يمجد التفاهة وينتصر لمصالحه على حساب مصالح الجماعة. لأن “الذين تقودهم مصالحهم – كما يقول تورين – لا يدافعون دوما عن المجتمع الديمقراطي الذي فيه يعيشون. إذ يفضلون في الغالب إنقاد ممتلكاتهم عن طريق الهروب أو عن طريق البحث بكل بساطة عن ستراتيجيات أكثر جدوى من غير أن يأخذوا أمر الدفاع عن المبادئ والمؤسسات بعين الاعتبار”.( ) والأكيد أن هذا الوعي الجديد لن يتأتى بناؤه بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى سنوات عديدة يتم خلالها تربية الناشئة على قيم مضادة لديمقراطية المصالح الأنانية، ومشبعة بروح ديمقراطية مناضلة تمدهم بالقوة اللازمة لاستعادة عافيتهم وبالأسلحة المناسبة لمواجهة ديكتاتورية الاستهلاك الجديد الذي جلبته معها رياح ما بعد الحداثة.
المراجع:
ليبوفتسكي جيل، عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة، ترجمة حافظ إدوخراز، بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018.
ليبوفتسكي جيل، شاشة العالم: ثقافة – وسائل إعلام وسينما في عصر الحداثة الفائقة، ترجمة راوية صادق، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012.
ليبوفتسكي جيل، مملكة الموضة زوال متجدد: الموضة ومصيرها في المجتمعات الغربية، ترجمة دينا مندور، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2017.
دي توكفيل أليكسيس، الديمقراطية في أمريكا، ترجمة أمين مرسي قنديل، القاهرة: عالم الكتب، د.ت.
تورين ألان، ما الديمقراطية؟ ترجمة عبود كاسوحة، دمشق: وزارة الثقافة، 2000.
هيملفارب غيرتهرود، الطرق إلى الحداثة: التنوير البريطاني والتنوير الفرنسي والتنوير الأمريكي، ترجمة: محمود سيد أحمد، الكويت: عالم المعرفة، عدد 367، سبتمبر 2009.
محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية (نصوص مختارة)، العدد 6: “الحداثة”، الدار البيضاء: دار توبقال، 2004.
– Roman Joël, les médias contre l’espace public, in la démocratie des individus, Calmann-Lévy, 1998.

بحث في المدونة