الثلاثاء، 26 مايو 2020

ذو الأسنان المثرمة 3


21
Bas du formulaireالرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان تفحصني جيدا وغلالة الدخان هائمة بيننا، قال "تكاد تكون منهم" .
-         " ممن؟ " قلتُ.
-         "الأجيال المتتالية، جيل يلحق بسابقه والأيام غير آبهة".
-          هلا فسّرت لي يا أنت؟ سألته.
-         - تنهد، صمت قليلا وقال: " منجرفة عبر تيار الأيام القميئة، تأتي الأجيال وتعتاد ما حولها ثم تغيب...تعتاد لدرجة فقدان القدرة على استيعاب وجود خلل ما"... قال هذا وصمتً بينما هام تفكيري بعيدا على أمل استجلاء مكمن خلل ما. أظنني منهم!!
22
رأيته اليوم وحيدا على شاطئ البحر. كان منغمسا في قراءة كتاب عن الغنوص وإلى جانبه فنجان قهوة.
الرجل ذو الأسنان المثرمة  الذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان لمحني من بعيد فأومأ لي أن اقترب.  
جلسنا قرابة الساعة حدّثني خلالها حديثا لا يُمل عن هرمس ثلاثي العظمة، ووافقني حين قلت له إن هرمس هو أول من قال أن لكل سبب نتيجة، ولكل نتيجة مسبب والكل يتم بحسب قوانين ومنه فإن الخالق لايتكفل بالجزئيات...وحدها القوانين تقوم بذلك. وقبل أن أغادره،كلمني عن العقل المسلم قائلا "إن فاقد الشيء لا يعطيه، لذا فالعقل المسلم لا يمكنه إنتاج مجتمع متمدن تكسوه أخلاق الحضارة وعلوم التقدم وقيم المعرفة، مادام ينتج صوره الذهنية ودلالاته ومعانيه من مرجعية موروثة قد طالها الجمود والتقديس والتعصب.Haut du formulaire
23
ولما أنهيت عرض وجهة نظري مزهواً...نظر إلي الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح وينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان...سكت برهة...أخذ نفسا عميقا من سيجارته وقال: " شوف يا خويا...كل شيء سياسة ...كل شيء. منذ سعد بن عبادة ومناداته بالإمارة في السقيفة،إلى حروب الردة، اغتيال عمر،عثمان، علي مرورا بمسرحية محاكمة الحلاج، مقتل السهروردي،غيلان الدمشقي...إلى...إلى..إلى غاية تسريبات الباكالوريا، تمديد عطل الأطفال وكيس الحليب بأربعين دينار من الحانوت في حارتكم.. كل شيء سياسة يا حبيبي...فاشرب قهوتك واستمرئها الكابوس مازال متواصلا."Haut du formulaire
24
- ما السبيل للخلاص من المأساة؟ سألته.
- أن تتحرر من سجن التاريخ.
- وكيف السبيل إلى التحرر؟
- خطوتان: الأولى أن تعتقد كوجيتو " هو بشر ، هو غير مقدس إذن"  وتعتقد بذلك أن رجال التاريخ أناس عاديون جدا...مثلنا.... والثانية أن ترى تاريخك من خارج الإطار، أن تتفحصه بعين أخرى غير عينك.
أردت الاستفسار ولكني لم أجد أمامي سوى علبة بها آخر سيجارة...فالرجل ذو الأسنان المثرمة قد غادر المكان.
Bas du formulaire
25
يأتي إليه في المرة الأولى ...يأمره أن يمد يده... يمدها... بضربة سيف تسقط اليد أرضا. ثم يأمره أن يمد رجله...يمدها....بضربة أخرى تنخلع الرجل عن الساق. ويفرح الذباب برائحة الدم المتيبس بالحي الدمشقي.
الذباب ملحاح، نهم، لا يشبع ولا يرعوي، يتكاثر على مكان اليد والرجل المقطوعتين...يمر ذاك الوغد الساخر ويقول للمكلوم: " هذا قضاء وقدر، فكيف ترى ما صنع بك ربك؟!!"...
يرد: :"لعن الله من فعل هذا بي !!".
ويبقى في مكانه دون يد ولا رجل رفقة الذباب والألم والفصاحة، يمر عليه الناس فيسمعون أقواله و يرأفون لحاله ويتأثرون ويبكون وينتبهون لما كانوا عنه غافلين.
يأتي إليه في المرة الثانية...يأمره أن يخرج لسانه...يخرجه...فيقطع لسانه ليموت بعد ذالك بوقت قصير.
بهذا أمن أميرُ المؤمنين أن المال لن يرد إلى الشعب ويقف منتشيا برؤية الجثة مصلوبة على البوابة السابعة لدمشق، بجانبه الأوزاعي يردد"" يكون في أمتي رجلان أحدهما وَهْبٌ وَهبَ الله له الحكمة، والآخر "غيلان" فتنة على هذه الأمة أشد من فتنة الشيطان".
هكذا روى لي الرجل ذو الأسنان المثرمة قصة الشهيد غيلان الدمشقي.
26
"هوّن على نفسك يا أخ...هوّن على نفسك ولا تتخذ الأمور مأخذ جد زيادة عن اللزوم، صدقني ستفشل إذا لم تتقبل وجود الكذب والنفاق والجشع كأشياء طبيعية...والله ستفشل"  هكذا قال الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان...
صباحكم سعيد خالٍ من الكذب.
Haut du formulaire
27
ألقيت عليه التحية وجلست، قال تفضل وقدّم لي سيجارة غولواز كان يهم بإشعالها، الرجل ذو الأسنان المثرمة الذيينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان...قال "راك تشوف ! بقى لنا غي هذا وراهم تالبونا فيه" متكلما عن سجائره.
-         هل سمعت عن حرائق اسرائيل ؟ سألته.
نظر إلى نظرة، وابتسم هازا رأسه وقال " كلمة أقولها لك، إن الله لا يقاتل مع أحد ولا يقاتل في صف أحد ولا يظلم أحد ولا ينتصر لأحد ولا يعين ظالما ولا يدفع عن مظلوم ما لم يدفع عن نفسه..و.." سكت قليلا وأردف " والكهنوت مسخرة المساخر".
28
الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح وينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان، قال متعجبا وكأنه يُكلم نفسه: "عجبت لهم كيف يرفضون حديث (من عشق فعف، فمات، مات شهيدا) ويقبلون حديث (أُمرت أن أقاتل الناس...)، تالله إنهم لمخاريط، ألا يعلمون أن الكفر الحقيقي هو الكفر بالقلب؟ ألا يعمون أن حقيقة الإنسان قابعة هناك في سويداء قلبه؟
قال ذلك ونفث نفثتين من سيجارته ووضع ساقا على أخرى ناظرا إلى البعيد نظرة المتألهين.
29
الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان، قدم لي نصيحة صبيحة اليوم.
قال:" لوِّح للحياة بيدك، طمئنها بحضورك، وقبل أن تضحك لك أغلق أصابع يدك التي تلوح بها، ومن قبضتك فلينطلق الإصبع الأوسط!.. هاه ياحياة يا بنت الكلب ابن الكلب...وبذا ستكون قد تغذيت بها قبل أن تتعشى بك"
بصراحة ، أعجبني الرجل ذو الأسنان المثرمة.
30
الرجل ذو الأسنان المثرمة والذي ينسى علبة سجائره كلما غادر المقهى، قال لي:لا عليكم من ترامب..سامحوه مهما فعل بكم..ليس لان الإسلام دين تسامح والتماس الأعذار و الخُرطي الذي ألفتموه...أبدا..بل لأن ليس لكم حلا آخر.."
 ..هذا الرجل..ذو الأسنان المثرمة يُعجبني كثيرا.
31

الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان، جالس لوحده كعادته في المقهى العتيق. ألقيت عليه التحية وقدم لي سيجارة غولواز ، كانت الأولى لهذا اليوم، وانطلق يسرد عليّ انطباعاته حول رواية "الخالة تولا " لميغيل دي أونامونو.
هذا الرجل يسحرك بحديثه المتشعب المتشابك.
كتعقيب مني قلت : "وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
رمقني بنظرة باسمة وقال : اتعلم بما تذكرني هذه الآية؟ آية الزبد ؟
 قلت : بم؟
- برافائيل.
- رافائيل !!! تقصد الفنان التشكيلي Raphael ؟
- نعم، رافائيل، وتذكرني بإرنست رينان. صمت برهة وقال : هل قرأت دانتي؟
- اطلعت على الكوميديا الإلهية غير أنني لم أصبر على اتمام قراءتها.
- عليك ان تفعل قال.
- ولكن ما دخل رافائيل ورينان بالزبد؟ وهل لدانتي دخل هو ايضا؟
 صمت الرجل ذو الأسنان المثرمة، أخذ نفسا عميقا توهجت إثره السيجارة المكتملة وانطلق كأنه يكلم نفسه : «قالوا عنه زنديق، وقالوا كافر، أُُحرقت مؤلفاته وتم نفيه إلى قرية أليسانة بإسبانيا..أظنك لم تسمع بألسانة.. قرية تموج باليهود وحتى أنهم قالوا إنه من أصل يهودي...نعم..اتدري أين تظهر آية الزبد؟
 تظهر مع رافائيل حين تتفتق قريحته ويبدع للوجود لوحة مدرسة اثينا، ويجعل له مكانا رفقة سقراط وبرمينيدس وزينون وكسينوفون وأفلاطون وارخميدس وزرادشت واضرابهم...نعم رافائيل يخصص مكانا لابن رشد رفقة هؤلاء الصناديد.
ومن قبل رافائيل ينبهر دانتي بفكر هذا الذي تم نفيه، ويخصص له مقطعا من كوميديته، ثم يأتي رينان ويضع كتابا خاصا لا زال مرجعا لطلاب الفلسفة الإسلامية بالجامعات الأوروبية...اظنه "ابن رشد والرشدية" إن لم تخني الذاكرة...نعم...ذهب تكفيرهم، ضاع رميهم إياه بالزندقة ادراج غبار التاريخ، واما ابن رشد فمكث في الأرض، مكث رفقة الماكثين.
استدار نحوي وقال : هل فهمتني أم انني كنت "أُكعرر".
ابتسمتُ وكلي حماس لمغادرته والمسارعة في تحميل كتاب رينان الذي لم اسمع به من قبل.
***
اقرأ:




0 التعليقات:

إرسال تعليق

بحث في المدونة