اليوم سنتحدث عن محاضرة
شهيرة ألقاها توماس هنري هكسلي بعنوان "على قطعة من الطباشير". تعد هذه
المحاضرة، التي ألقاها هكسلي في عام 1869، من أهم المحاضرات التي تناولت العلاقة
بين العلم والمجتمع، ودفاعًا عن التفكير النقدي والعقلانية. ولكن قبل أن نتطرق إلى
تفاصيل المحاضرة، دعونا نتعرف قليلاً على هكسلي.
كان توماس هنري هكسلي عالِمًا بريطانيًا وفيلسوفًا، اشتهر بلقب "الكلب المدافع" عن نظرية
داروين للتطور. كان له دور كبير في نشر الأفكار العلمية ودفاعه المستمر عن العلم
ضد القوى التي كانت تحاول فرض الخرافات والتقاليد الدينية على التفكير العلمي. كان
هكسلي يعتقد أن العلم يجب أن يكون أساسًا للمعرفة البشرية، وكان يُنظر إليه كأحد
المدافعين الأوائل عن الفكر العقلاني.
محتوى المحاضرة:
في محاضرته "على قطعة
من الطباشير"، يبدأ هكسلي بالتحدث عن الطباشير، تلك الأداة البسيطة التي
يستخدمها العلماء والمعلمون لكتابة الأفكار على السبورة. يبدو أن اختيار هكسلي
لقطعة الطباشير ليس عبثيًا؛ فهو يستخدم هذه القطعة الصغيرة ليعبّر عن فكرة كبيرة،
وهي أن العلم يبدأ من الأسئلة البسيطة والمباشرة، وأن المعرفة لا تأتي من التقاليد
أو الخرافات، بل من الأسئلة التي نطرحها والطرق التي نتبعها للإجابة عليها.
يقول هكسلي: "نحن
نبدأ من نقطة صغيرة، قطعة من الطباشير، لكن من هذه النقطة يمكن أن نرسم العالم
بأسره." وكأنه يشير إلى أن العلم يبدأ من تفكير بسيط وعقلاني، يقدّم إجابات
لم تكن واضحة من قبل. العلم، بالنسبة لهكسلي، ليس مجرد مجموعة من الحقائق الجافة،
بل هو منهج تفكير يسمح لنا بفهم العالم بشكل أفضل.
الفكر النقدي وأهميته:
يُعدّ جزء أساسي من
المحاضرة هو دفاع هكسلي عن التفكير النقدي. كان هكسلي يرى أن الإنسان يجب أن يكون
قادرًا على التفكير بشكل مستقل بعيدًا عن التقاليد أو العقائد الموروثة. في
محاضرته، يذكر كيف أن العلم لا يقتصر على قبول ما يُقال لنا، بل يجب أن نبحث عن
الأدلة ونشكك فيما نسمعه. العقل النقدي هو ما يمكن أن يساعدنا في التميز بين
الحقائق والآراء.
وفي هذا السياق، يذكر
هكسلي كيف أن بعض الناس يظنون أن العلم يتعارض مع الدين، لكنه يرى أن العلم ليس
سوى أداة لفهم قوانين الطبيعة، بينما الدين يتناول مسائل أخرى. العلم لا ينفي
الدين، بل يعزز قدرة الإنسان على التفكير بطريقة عقلانية. إذاً، لا يُعدّ العلم
تهديدًا للمعتقدات الدينية، بل هو وسيلة للتوسع في فهمنا للعالم.
العلم والمجتمع:
النقطة الأخرى المهمة في
محاضرة هكسلي هي كيفية تأثير العلم على المجتمع. كان هكسلي يرى أن المجتمع بحاجة
إلى تبني التفكير العلمي لمواجهة التحديات التي يواجهها. العلم، بحسب هكسلي، يمكن
أن يكون قوة تحررية، تُساعد الناس على تطوير أنفسهم من خلال التعلم والفهم.
لقد كان هكسلي معنيًا
بتوضيح أن العلم لا يجب أن يُقيّد بالتقاليد أو بالسلطة السياسية والدينية. بدلاً
من ذلك، كان يعتقد أن المعرفة الحقيقية تُبنى من خلال حرية التفكير والبحث المستمر
عن الحقائق. كل فكرة علمية يجب أن تكون قابلة للتحقق والتجربة.
الفكر النقدي في عصرنا
اليوم:
رغم أن هذه المحاضرة قد
أُلقيت منذ أكثر من 150 عامًا، فإن الأفكار التي طرحها هكسلي ما زالت تظل مهمة في
عصرنا اليوم. في عالمنا المعاصر، نواجه العديد من التحديات مثل الأخبار الزائفة،
والتأثيرات السياسية على العلم، والاتجاهات التي تروج للخرافات. وهنا يأتي دور
الفكر النقدي: أن نتعلم كيف نشكك في المعلومات ونبحث عن الأدلة الموثوقة.
الختام:
في الختام، يمكننا أن
نتأمل في درس هكسلي: العلم ليس مجرد مجموعة من الحقائق، بل هو طريقة للتفكير. وأن
هذه الطريقة تبدأ من الأسئلة البسيطة، مثل كتابة شيء على قطعة من الطباشير، لكنها
تفتح لنا أفقًا واسعًا لفهم العالم من حولنا. إذا تبنينا العقلانية والتفكير
النقدي، سنتمكن من التعامل مع تحديات عصرنا بطريقة أفضل وأكثر وعياً.
الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة كلما غادر المكان، يحدق في كوبه الفارغ وكأنما يفكر في شيء
عميق. رفع رأسه ولمحني قاصدا طاولته في المقهى العتيق، رحّب بي كعادته، جلست
فبادرني بقوله:
"هل
تعلم، يا صديقي، أن الحياة كلها قد تكون مجرد وهم؟ نحن نعيش في عالم مبني على
أشياء صغيرة جدًا، لدرجة أننا لا نراها أبدًا. هل فكرت في ذلك؟"
أجبته، وعيني على ورقة كانت مبسوطة على الطاولة:
"أعتقد أنني أفهم... لكن ماذا تعني بالأشياء
الصغيرة؟"
ابتسم الرجل، وأخذ نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم
تابع حديثه:
"أفكر في الأشياء التي لا يمكننا رؤيتها،
ولكنها تشكل كل شيء من حولنا. كما لو كان لدينا عالم مليء بالمونادات، كائنات غير
مرئية تدير كل شيء، من دون أن نلاحظها. لو أنها تحطمت، سينهار كل شيء. العالم كله
قد ينهار في لحظة، وعقولنا قد تغرق في فوضى لا نتمكن من فهمها."
قلت متعجبا: مونادات !!!!! من أين تأتي
بهذه التسميات؟؟؟ وما هي هذه المونادات؟
ابتسم، بل قل ضحك ضحكة سمعها النادل، ثم أخذ نفسًا
من سيجارته وقال: المونادات هي فكرة فلسفية قديمة، طرحها الفيلسوف الألماني
ليبنيز.. أظنك قد سمعت به... تعني الكائنات الفردية الصغيرة التي تشكل الأساس لكل
شيء في الكون. كل موناد هي نوع من الكائنات الحية غير المرئية، لا تتفاعل مع بعضها
بشكل مباشر، لكن كل واحدة تحمل بداخلها كل خصائص الكون من وجهة نظرها. إنها
كالكواكب الصغيرة التي تدير واقعنا، ولكننا لا نراها أو نلمسها. الفكرة هي أن هذا
النظام المعقد يمكن أن ينهار إذا اختلت هذه المونادات أو إذا تحطمت، مما يؤدي إلى فوضى
في كل شيء حولنا. فكرة غريبة أليس كذلك؟"
ليست غريبة فحسب..بل
مزعجة. إذن، حسب ما فهمته من كلامك، أنت تقصد أن هذا العالم لا يمكن أن يظل
ثابتًا إذا غابت هذه الأشياء الصغيرة... هذه المونادات كما قلت؟
أجاب بنبرة جدية:
"نعم، لكن هناك شيء آخر أعمق. الزمن، على
سبيل المثال. هل فكرت يومًا أنك قد تكون شخصين في ذات الوقت؟ أنا هنا الآن، لكن
هناك نسخة منّي في الماضي، في لحظة مختلفة، تعيش حياة قد تكون مختلفة عن حياتي
الحالية. الزمن يشطرنا إلى نسخ مختلفة، وكل نسخة تملك تفاصيل لا نراها، ونحن
نكتشفها فقط حين ننظر في مرآة الزمن."
قلت: أتعلم !!! لقد ذكّرتني ببورخيس، له
صولات وجولات في هذا المجال، وخاصة مجال الحلم وتعدّد الحالمين
-"بورخيس، نعم! أذكره جيدًا. كان يعتقد أن كل
إنسان يعيش حياة متعددة في الوقت نفسه، مثل حلم يتعدد ويُعيد تشكيل نفسه. وفي
عالمه، لا يوجد شيء واحد فقط، بل هناك توازي للزمن والمكان، وكل حكاية يمكن أن
تُحكى بعدة طرق، مثلما تتعدد القصص في الحلم. ربما تكون فكرة بورخيس عن الحلم
مرتبطة تمامًا بما أقول. الحلم بالنسبة له كان نوعًا من الزمن المكسور، حيث يتداخل
الماضي مع الحاضر، وقد نصبح أكثر من شخص في ذات اللحظة. وفي النهاية، قد يصبح ما
نعتبره 'حلمًا' هو في الواقع الحقيقة التي لا ندركها. فهل نحن حقًا نستطيع تمييز
الحلم عن الواقع؟"
قلت ، وأنا أشعر بالحيرة:
"لكن إذا كنا نعيش هكذا، بين نسختين من
أنفسنا، هل نحن حقًا نحن؟ أم أننا مجرد صور للماضي تتنقل عبر الزمن؟"
ابتسم الرجل، وكأنما سمع هذا السؤال من قبل، ثم
أجاب:
"هذا هو الفخ، يا صديقي. في عالم غودل مثلا،
هذا ما يسمى الثنائيات. أنت لست واحدًا، بل أنت اثنان. وإذا كان الزمن يخلق هذا
الانقسام، فما الذي يمنع من أن يصبح الشخص الآخر الذي في داخلك هو الشخص الذي
تراه؟ ماذا لو تغيرت بالكامل ولم تعد أنت؟"
لحظة صمت، ثم تابع بحذر:
"وهنا يأتي الخوف... خوف من الأشياء الصغيرة
التي قد تتحكم فينا دون أن نعلم. خوف من الآخر الذي قد يكون هو أنا، أو شيء آخر،
يدخل إلى عقلي ويأخذ مكاني. من يدري؟ ربما هذا هو الجنون الذي كان يخاف منه غودل.
الجنون الذي قد يبتلعنا في لحظة."
... شعرت بشيء غريب يمر في الهواء، وكأن أفكار الرجل
بدأت تلامس شيئًا عميقًا في نفسي. كنت أفكر في تلك الثنائيات: في الزمن الذي
يفرقنا عن أنفسنا، في الأشياء الصغيرة التي قد تختفي فجأة، وفي خوف غودل من أن
نصبح شيئًا آخر لا يمكننا التنبؤ به.
ثم، في لحظة غير متوقعة، نظرت في عينيه، وكأنني
لأول مرة أراه بوضوح. شيء ما تغير في ملامحه، أو ربما كان هذا مجرد شعور يملأ
المكان، كما لو أنني كنت أراه لأول مرة، أو ربما هو لم يكن هو نفسه منذ البداية.
تردد السؤال في ذهني: "هل هو الرجل الذي كنت أعرفه؟ الرجل ذو الأسنان
المثرمة؟ أم أن هذا الشخص هو مجرد نسخة أخرى مني؟"
كان الصمت يملأ الأجواء، كأن الزمن نفسه توقف
للحظة. فجأة، همس الرجل، وكأنه قرأ أفكاري: "هل كنت تتساءل، يا صديقي، هل أنت
حقًا أنت؟ أم أنك مجرد انعكاس لنسخة قديمة منك، تتنقل بين الزمان والمكان؟"
ثم ابتسم ابتسامة غامضة، كما لو أن شيئًا ما قد تغير في أعماقه أيضًا...
وغادر المكان.. هو دائما يُغادر دون استئذان.
أشعر الآن أنني لا أستطيع أن أكون متأكدًا من شيء.
قد يكون الرجل ذو الأسنان المثرمة هو من هو، أو ربما هو شخص آخر، وأنا مجرد صورة
تائهة في مرآة الزمن...ما انا متأكد منه في اللحظة هذه، هو السيجارة التي نسيها في
علبته الملقاة أمامي على الطاولة.
في المقهى العتيق، حيث الجدران محملة برائحة القهوة القديمة والذكريات المخبأة بين الكتب القديمة، قابلت اليوم الرجل ذا الأسنان المثرمة الذي لا يأبه للغير، وينسى علبة سجائره كلما غادر المكان. كان منغمسا في قراءة كتاب...لم أتمكن من منع نفسي من إلقاء نظرة خاطفة على عنوانه :"ضد المنهج".
كما لم لم أتمكن من منعها من التفكير في الأمر، ماذا يعني "ضد المنهج"؟ وما "المنهج" أصلا؟ هل هو ضد ما تعلمناه عن العلم، عن التفكير المنظم؟ أيمكن أن تكون أفكار هذا الرجل معاكسة تمامًا لما نعرفه؟ أعني بالرجل صاحب الكتاب وليس ذي الأسنان المثرمة.
جلست إلى طاولته الصغيرة بجانب النافذة، حيث الضوء الباهت يتسلل عبر الزجاج المتسخ، وحيث الهواء محمل برائحة القهوة القديمة. كانت ملامحه تحمل شيئًا من الحكمة غير المستقاة من الكتب، لكنه، وكأنه غريب عن الزمن، كان يتحدث بلغة تختلف عن تلك التي نتداولها يوميا.
دون سلام ولا مقدمات كعادتي معه، قال: هل تعرف، يا صديقي، أن العقل البشري لا يمكن أن يحدّه شيء؟" قالها وهو ينفث دخان سيجارته في الهواء، محاولًا إخفاء ابتسامته الماكرة. "أحيانًا أظن أننا نمضي حياتنا ونحن نبحث في أماكن ضيقة بينما توجد أسرار عظيمة في الزوايا التي نتجنبها."
سألته، غير متأكد إن كان يقصد أنني أبحث عن الأسرار في الزوايا التي تتراكم فيها أكواب القهوة الفارغة: "ماذا تعني؟"
ابتسم، وكأنه توقع سؤالي السخيف، ثم أضاف: "خذ على سبيل المثال غودل،إنه ....، عفوا، هل تعرفه؟"
• سمعتُ عنه، أو لأقل قرأتُ عنه، لكنني لم أفهم الكثير. هل هو الرجل الذي يعتقد أن كل شيء ناقص في حياتنا؟ أظنني سمعتُ شيئًا عن ذلك في محاضرة كانت تدور حول اليأس من الفهم المطلق.
قال: "نعم، هو ذاك الذي قال إن هناك دائمًا أشياء لا يمكننا إثباتها. هو الذي اعتقد أن المنطق ليس كافيًا لاحتواء كل شيء. لكن ماذا لو كان هذا المنطق نفسه هو ما يعيقنا؟"
كنت صامتًا ، متأملًا جملته. ثم سألت: "إذن، هل تقصد أنه كان يرى أن هناك حدودًا لما يمكن معرفته؟"
أجاب بجدية: "نعم، ولكنه، في الوقت ذاته، كان يفتح لنا أبوابًا جديدة للفهم. غودل كان يريد أن نرى أن هناك أسئلة لا يمكن الإجابة عليها باستخدام القواعد المعروفة. كان يطالبنا بأن نفتح عقولنا لما هو أبعد من المنطق."
قلت : "لكن هذا يبدو وكأن شخصًا آخر قد قال به، أو قال شيئًا مشابهًا... نسيت اسمه، لكن أتذكر أنه كان يبدأ بحرف الفاء، وكان يتحدث عن حدود المعرفة أيضًا..."
ابتسم الرجل ذو الأسنان المثرمة، وقال: "نعم، بول فييرابند... ولمس الكتاب بكفّه، الفيلسوف الذي كان يرى أن العلم لا يجب أن يكون محكومًا بقواعد صارمة. كان يعتقد أن الفوضى جزء من عملية البحث، وأنه يجب علينا أن نخضع للحظة الفوضى كي نصل إلى معرفة حقيقية."
قلت، وقد تملكني الفضول: "هل في هذا تشابه بينه وبين غودل؟"
قال وهو يحدق في فنجانه الفارغ: "أعتقد أنهما يتفقان على أن هناك حدودًا لما يمكن معرفته، لكن غودل كان يتحدث عن حدود منطقية، بينما فييرابند كان يتحدث عن حدود علمية تتطلب منا أن نُخرج أنفسنا من الصندوق، أو بالأحرى نكسر الصندوق نفسه."
"ولكن أليس ذلك تهورًا؟" قلت، متهكمًا. "ألن يؤدي بنا إلى الفوضى المطلقة؟"
ضحك الرجل ذو الأسنان المثرمة وقال:
"ليس فوضى بمعناها التقليدي، بل فوضى مثمرة. مثلما هو الحال عندما يبدو كل شيء مرتبًا بدقة، ثم نكتشف أن هذا الترتيب هو بالذات ما يعيق تدفق الأفكار. غودل كان يحذرنا من التورط في حدود المنطق، بينما فييرابند كان يدعونا لكسر القواعد والبحث عن طرق جديدة تتجاوز تلك الحدود."
في تلك اللحظة، اقترب النادل، رجل في منتصف العمر تبدو على وجهه علامات التعب، وسألني بهدوء:
"ماذا تشرب؟"
أجبته دون تفكير:
"قهوة براس ."
توجه نحو الطاولة المجاورة. وبينما كان يبتعد، أشار الرجل ذو الأسنان المثرمة نحوه قائلا:
"أتعلم؟ هذا النادل هو مثال بسيط لكنه قوي. في البداية، كل شيء يبدو واضحًا: سؤال وجواب. طلب وقائمة. مثلما نظن أن المعرفة تأتي في صورة محددة وسهلة. لكن ماذا لو طلبت شيئًا غير موجود في القائمة؟ كوب شاي بنكهة الورد، أو شرابًا قد سمع به لأول مرة؟ ماذا سيكون رد فعله؟"
فكرت قليلاً ثم أجبت:
"ربما سيقول إنه غير متوفر، أو سيحاول تقديم شيء مشابه."
هز الرجل رأسه : "بالضبط! إنه يتبع نظامًا. النادل يمثل المنهج الذي يقتصر على ما هو مألوف ومحدد. وإذا أخرجته من هذا الإطار، قد يشعر بالعجز أو الحيرة. الآن تخيل أن حياتنا كلها تعمل بهذه الطريقة. كلما واجهنا فكرة جديدة أو سؤالًا مختلفًا، نحاول فرض قواعدنا القديمة عليه، بدلًا من تقبل الفوضى الناتجة عن شيء جديد وغير مألوف. هذا ما قصده فييرابند عندما قال إن الفوضى ضرورية للإبداع."
شعرت أنني بدأت أفهم فكرته، لكن لم أستطع مقاومة السؤال: "وماذا عن غودل؟ كيف يرى هذا الوضع؟"
ابتسم وكأنه كان ينتظر هذا السؤال :"غودل يرى الأمر من زاوية أخرى. النادل، كرمز للعقل البشري، قد لا يستطيع استيعاب طلب خارج عن المألوف لأنه محكوم بنظام معين. وهذا ما قاله غودل في نظريته عن عدم الاكتمال: أي نظام منطقي محكم، مهما كان قويًا، سيواجه دائمًا أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها. لا لأن الإجابة غير موجودة، بل لأن النظام نفسه غير قادر على الوصول إليها."
هنا عاد النادل، وضع القهوة على الطاولة وقال: "ها هي قهوتك، هل تحتاج إلى شيء آخر؟"
نظرت إليه للحظة، وكأنني أبحث عن إجابة داخل عينيه. ثم قلت له مازحًا: "لو طلبت منك قهوة بنكهة اللافندر، ماذا كنت ستفعل؟"
ابتسم النادل ابتسامة ودودة وقال: "سأبحث عن طريقة لأحقق طلبك، حتى لو لم يكن في القائمة. أحيانًا، علينا أن نكون مبدعين في عملنا."
ضحك الرجل ذو الأسنان المثرمة وقال لي: "تخيل لو كان كل شيء في الحياة بهذه البساطة! غودل كان سيقول: 'حتى لو حاولت، ستظل هناك حدود'. وفييرابند كان سيجيب: 'الحياة نفسها تجاوز للحدود'."
تأملت في كلمات النادل ثم التفت إلى الرجل وقلت: "وكيف نتجاوز هذه الحدود إذن؟"
قال بهدوء: "بالتشكيك في كل شيء، وبقبول أن بعض الأسئلة قد لا تملك إجابات، وأن هذا ليس فشلًا بل دليل على أن الطريق مفتوح دائمًا لاكتشاف جديد."
سكتُ لبرهة، ثم قلت: "لكن هذا ليس جديدًا. ألا يتحدث الجميع عن حدود الفهم؟"
قال الرجل ذو الأسنان المثرمة، وهو ينظر إلي بنظرة عميقة: "نعم، قد يكون الجميع يتحدث عن هذا. لكن غودل كان يعطينا الأدوات لفهم تلك الحدود بشكل دقيق. كان يضع الأصبع على النقطة التي يصعب تحديدها. هذه هي السمة المميزة له. لا مجرد حديث، بل إثبات رياضي أن هناك حدودًا لمنطقنا."
قلتُ له، محاولًا فهم الصورة بأكملها: "إذاً أنت تقول إن ما يهم ليس أننا ندرك حدود المعرفة، بل كيف ندرك هذه الحدود؟"
أجاب، وهو يلوح بيده في الهواء كما لو كان يشير إلى شيء بعيد: "بالضبط! غودل وفر لنا الخريطة التي تُظهر لنا أين توجد الحواجز. أما فييرابند، فكان يقول: 'دعونا لا نأخذ هذه الحواجز كأمر مسلم به، دعونا نبحث في طرق غير تقليدية لنعيش المعرفة.'"
"فجأة، ودون مقدمات، قام الرجل ذو الأسنان المثرمة و غادر المكان، ناسياً علبة سجائره كالمعتاد." بقيتُ جالسًا، غارقًا في أفكاره، أراقب المكان في صمت، وكأن حديثه لم يكن سوى حلمٍ عابر."
لم أقابله اليوم، ذاك الرجل ذو الأسنان
المثرمة والذي ينسى علبة سجائره بالمقهى..يومي هذا غير معدود إذا...لكني أتخيله
يرتشف فنجان قهوته ، يضعه على الطاولة ثم يحدق فيّ ويقول: "لم نأتِ للوجود
ليُحدد لنا ما نقول وما نشعر وما نؤمن به وكيف نعيش، ومن يقول لك غير هذا قل له
يطبِّق معتقداته على نفسه."
33
بين السيمورغ وغودو
الحياةتأرجٌح بين سفر ومحطات
انتظار، قال الرجل ذو الأسنان المثرمة...سفر نحو السيمورغ أوانتظار عودة غودو.
قلت: اتذكر أنني قرأت عن السيمورغ ... أليس ما ذكره العطار فيمنطق الطير؟.
نعم، سفر الطير بحثا عن السيمورغ.
وهل عثروا عليه؟
نظر إلي مبتسما و مج سيجارته الغولواز.
وما بال غودو هذا؟
ارتشف رشفة من فنجانه، ونظر بعيدا ثم قال: في نفس اليوم يولد كاتبٌ و يظهر
للوجود كتاب، الكاتب هو بيكت...صموئيل بيكيت أما الكتاب فهو "التطور الخلاق
" لبرغسون. سكت برهة وأردف: لست أدري لم قرنت هذا بذاك، ربما لأٌبهرك فقط لأن
ذكر مثل هذه الأسماء يُبهر... لكني أرغب في الكلام عن بيكت.
قلت: تكلم.
قال: بيكت يقول عن نفسه :" أتذكر انني
كنت محشوراً حبيساً ، وغير قادر على الإفلات . كنت أبكي كي يسمحوا لي بالخروج لكن
أحداً لم يكن يسمعني . لم يكن يصغي إلي أحد "
ما معنى ذلك؟ سألت
يقال أن ولادته كانت عسيرة حيث استغرقت أكثر من عشر ساعات،
ومثله مثل أغلب العباقرة كان له شغف بالكتب .أغرم بقراءة هولدرلين وشوبنهاور
وبودلير وابو لينير وغيرهم ،غير أن الذي اخذ لبّه هو شوبنهاور. تفرغ لحفظ التوراة
و صفحات كثيرة من القواميس التي كان يقضي معها أوقاتاً طويلة، تحضيرا لأن يصبح
كاتبا ، لانه قرر ذلك واخبر والدته بقراره .
بعد أن يدخل مصحة للعلاج النفسي إثر وفاة أبيه يتفرغ للغوص
في أعمال شوبنهور، يكتب الى أحد أصدقائه :" كانت قراءته أشبه بنافذة فتحت
فجأة في غرفة تفوح منها رائحة العفن . لقد عرفت على الدوام إنه من بين أكثر
الاشخاص أهمية في حياتي، وبدأت أفهم وأنا في الثلاثين من عمري لماذا كانت قراءة
شوبنهور متعةً أكثر حقيقية من كل المتع التي ذقتها منذ زمن طويل . إنها لمتعة
أيضاً ان تجد فيلسوفاً يُقرأ كما يقرأ شاعراً " .
لذلك يتبنى وجهة نظر شوبنهاور التي تتفق مع نظرته الى العالم
والأشياء . القطيعة النهائية بين الإنسان والطبيعة ، وبين الإنسان والإنسان،
والحياة المليئة بالألم والموت والضياع والوحدة والفراغ ....إثر هذا التبني تولد
مسرحية " في انتظار غودو"... غودو الذي قرنته أنا بالسيمورغ.
عما ذا تحكي مسرحية غودو هذه سألت.
عن لا شيء...أو ربما هذا ما رغب فيه بيكيت.انتظار
غودو...رجلان يجلسان قرب شجرة جرداء،. رجلان يعرفان بعضهما البعض منذ خمسين سنة،
يجلسان ينتظران رجلا ثالثا لا نعرف عنه سوى اسمه "غودو". ينتظران فقط،
الانتظار كما قلت لك هو المرحلة الثانية بعد مرحلة السفر في هذه الحياة... وخلال
انتظارهما مجيئه يشغلان وقتهما بحديث مشتت
تختلط فيه الشكوى بالحنين والذكريات والتأكيد على الصداقة ، والتذمر، ورغبة في
الذهاب، لكنها سرعان ما تتلاشى.
- هيا بنا .
- لايمكننا الذهاب
- لماذا ؟
- اننا بانتظار غودو
تتكرر هذه العبارة ست أو سبع مرات، لست أذكر جيدا،ويستمر انتظارهما
الرتيب على طول مدة المسرحية :" لاشيء يأتي ، لا شيء يحدث، لا أحد يجيء ، إن
هذا لايطاق "، لكن شخصين جديدين يظهران على المسرح ( بوزو ولوكي ) تبدو على
الأول سمات الطاغية، فهو يمسك بالثاني في حبل، ويُحمل عليه حقائبه، ويلقي عليه
أوامره بقسوة، ولا يفعل شيئاً سوى المرور على المسرح، ثم يبدأ لوكي يرقص بناء على أوامر بوزو، وبعد ذهاب هذين
الشخصين، يعود الرجلان الى الانتظار، حتى لحظة وصول صبي يعلن أن غودو :" لن
يأتي هذا المساء، لكنه سيأتي غداً بكل تأكيد " .
ثم يأتي الفصل الثاني وهو اليوم الثاني حيث نشاهد الشجرة مكسوة ببعض الأوراق ، وتتكرر
الأحداث نفسها على المسرح مع تغيرات بسيطة ، عاد الرجلان ليلتقيان مرة أخرى وعاد
الانتظار والحديث المتقطع، أحدهما يتحدث دائماً عن الرحيل، لكنه يخفق دائماً في
الوصول اليه . ويعود بوزو ولوكي، لقد أصبح الأول أعمى،والثاني أخرس، ومرة أخرى لن يأتي
غودو، ويعود الصبي نفسه لينقل الرسالة ذاتها، وينتهي الفصل الثاني بعبارة مكررة
حرفيا من نهاية الفصل الاول :
- نذهب إذًاً
- هيا بنا ( ولا يتحركان ) .
نحن أمام مسرح يتحول
الجميع فيه الى كتلة لحمية . فالرجلان ، بوزو ولوكي ، ليسوا سوى تسميات لحضور وحيد
هو : الإنسان . الأكثر غموضا في المسرحية بالتأكيد
هو غودو ، اسمه وغيابه الدائم يفسحان لتفسيرات عديدة ، يُقال أن اسمه مشتق من " God " أي الله، ويتضح
بذلك في مجمل أحداث المسرحية. إذا كان الرجلان في انتظار الإله ، لكن هذا لم يأت، سنكون
بذلك أمام مشهد يمثل بؤس الإنسان من غير الإله، وان الله غير آبه إلى قدر الإنسان
العابث، وتبقى النتيجة إن الإنسان لايعرف إلا وجوداً بلا معنى، لقد خلق ليموت، وما
حياته إلا حركة جوفاء لاترتبط بأية أهمية.
كانت انتظار غودو خلاصة للفلسفة الحديثة من شوبنهاور وعدمية
الوجود، الى هيدغر وعبارته الشهيرة الإنسان خلق للموت الى وجودية سارتر "
لايمكن تفسير الوجود ، إنه عبثي".
قال الرجل ذو الأسنان المثرمة هذا وتنهد ثم أضاف: الدنيا هذه
تتلون باللون الذي تقرر أنت اختياره، فإما سفر نحو السيمورغ محفوفا بأمل
العثورأو محطة انتظار غودو في وحل من
العبث...أنت وحدك من يختار، لا تتركهم يختارون لك...تذكر هذا جيدا.
-لقد
شوقتني لشوبنهاور، الا تحدثني عنه قليلا؟
-ابتسم
معتذرا وقال: في مرة قادمة، وغادر المكان ناسيا سيجارتين بالعلبة على الطاولة.
Bas du formulaireالرجل ذو الأسنان المثرمةالذي
لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان تفحصني جيدا
وغلالة الدخان هائمة بيننا، قال "تكاد تكون منهم" .
-"
ممن؟ " قلتُ.
-"الأجيال
المتتالية، جيل يلحق بسابقه والأيام غير آبهة".
-هلا
فسّرت لي يا أنت؟ سألته.
-- تنهد، صمت قليلا وقال: " منجرفة
عبر تيار الأيام القميئة، تأتي الأجيال وتعتاد ما حولها ثم تغيب...تعتاد لدرجة
فقدان القدرة على استيعاب وجود خلل ما"... قال هذا وصمتً بينما هام تفكيري
بعيدا على أمل استجلاء مكمن خلل ما. أظنني منهم!!
22
رأيته اليوم وحيدا على شاطئ البحر. كان منغمسا في قراءة كتاب
عن الغنوص وإلى جانبه فنجان قهوة.
الرجل ذو الأسنان المثرمةالذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر
سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان لمحني من بعيد فأومأ لي أن اقترب.
جلسنا قرابة الساعة حدّثني خلالها حديثا لا يُمل عن هرمس ثلاثي
العظمة، ووافقني حين قلت له إن هرمس هو أول من قال أن لكل سبب نتيجة، ولكل نتيجة
مسبب والكل يتم بحسب قوانين ومنه فإن الخالق لايتكفل بالجزئيات...وحدها القوانين
تقوم بذلك. وقبل أن أغادره،كلمني عن العقل المسلم قائلا "إن فاقد الشيء لا
يعطيه، لذا فالعقل المسلم لا يمكنه إنتاج مجتمع متمدن تكسوه أخلاق الحضارة وعلوم
التقدم وقيم المعرفة، مادام ينتج صوره الذهنية ودلالاته ومعانيه من مرجعية موروثة
قد طالها الجمود والتقديس والتعصب.Haut du formulaire
23
ولما أنهيت عرض وجهة نظري مزهواً...نظر إلي الرجل ذو الأسنان
المثرمةالذي لا ينتظر المديح وينسى آخر
سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان...سكت برهة...أخذ نفسا عميقا من سيجارته
وقال: " شوف يا خويا...كل شيء سياسة ...كل شيء. منذ سعد بن عبادة ومناداته
بالإمارة في السقيفة،إلى حروب الردة، اغتيال عمر،عثمان، علي مرورا بمسرحية محاكمة
الحلاج، مقتل السهروردي،غيلان الدمشقي...إلى...إلى..إلى غاية تسريبات الباكالوريا،
تمديد عطل الأطفال وكيس الحليب بأربعين دينار من الحانوت في حارتكم.. كل شيء سياسة
يا حبيبي...فاشرب قهوتك واستمرئها الكابوس مازال متواصلا."Haut du formulaire
24
- ما السبيل
للخلاص من المأساة؟ سألته.
- أن تتحرر من سجن التاريخ.
- وكيف السبيل إلى التحرر؟
- خطوتان: الأولى أن تعتقد كوجيتو " هو بشر ، هو غير مقدس
إذن" وتعتقد بذلك أن رجال التاريخ
أناس عاديون جدا...مثلنا.... والثانية أن ترى تاريخك من خارج الإطار، أن تتفحصه
بعين أخرى غير عينك.
أردت الاستفسار ولكني لم أجد أمامي سوى علبة بها آخر سيجارة...فالرجل ذو الأسنان
المثرمة قد غادر المكان.Bas
du formulaire
25
يأتي إليه في المرة الأولى ...يأمره أن يمد يده... يمدها... بضربة
سيف تسقط اليد أرضا. ثم يأمره أن يمد رجله...يمدها....بضربة أخرى تنخلع الرجل عن
الساق. ويفرح الذباب برائحة الدم المتيبس بالحي الدمشقي.
الذباب ملحاح، نهم، لا يشبع ولا يرعوي، يتكاثر على مكان اليد والرجل
المقطوعتين...يمر ذاك الوغد الساخر ويقول للمكلوم: " هذا قضاء وقدر، فكيف ترى
ما صنع بك ربك؟!!"...
يرد: :"لعن الله من فعل هذا بي !!".
ويبقى في مكانه دون يد ولا رجل رفقة الذباب والألم والفصاحة،
يمر عليه الناس فيسمعون أقواله و يرأفون لحاله ويتأثرون ويبكون وينتبهون لما كانوا
عنه غافلين.
يأتي إليه في المرة الثانية...يأمره أن يخرج
لسانه...يخرجه...فيقطع لسانه ليموت بعد ذالك بوقت قصير.
بهذا أمن أميرُ المؤمنين أن المال لن يرد إلى الشعب ويقف منتشيا برؤية الجثة
مصلوبة على البوابة السابعة لدمشق، بجانبه الأوزاعي يردد"" يكون في أمتي
رجلان أحدهما وَهْبٌ وَهبَ الله له الحكمة، والآخر "غيلان" فتنة على هذه
الأمة أشد من فتنة الشيطان".
هكذا روى لي الرجل ذو الأسنان المثرمةقصة الشهيد غيلان الدمشقي.
26
"هوّن على
نفسك يا أخ...هوّن على نفسك ولا تتخذ الأمور مأخذ جد زيادة عن اللزوم، صدقني ستفشل
إذا لم تتقبل وجود الكذب والنفاق والجشع كأشياء طبيعية...والله ستفشل" هكذا قال الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا
ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان...
صباحكم سعيد خالٍ من الكذب.Haut du formulaire
27
ألقيت عليه التحية وجلست، قال تفضل وقدّم لي سيجارة غولواز كان
يهم بإشعالها، الرجل ذو الأسنان المثرمة الذيينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في
العلبة قبل أن يغادر المكان...قال "راك تشوف ! بقى لنا غي هذا وراهم تالبونا
فيه" متكلما عن سجائره.
-هل
سمعت عن حرائق اسرائيل ؟ سألته.
نظر إلى نظرة، وابتسم هازا رأسه وقال " كلمة أقولها لك،
إن الله لا يقاتل مع أحد ولا يقاتل في صف أحد ولا يظلم أحد ولا ينتصر لأحد ولا
يعين ظالما ولا يدفع عن مظلوم ما لم يدفع عن نفسه..و.." سكت قليلا وأردف
" والكهنوت مسخرة المساخر".
28
الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح وينسى آخر
سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان، قال متعجبا وكأنه يُكلم نفسه: "عجبت
لهم كيف يرفضون حديث (من عشق فعف، فمات، مات شهيدا) ويقبلون حديث (أُمرت أن أقاتل
الناس...)، تالله إنهم لمخاريط، ألا يعلمون أن الكفر الحقيقي هو الكفر بالقلب؟ ألا
يعمون أن حقيقة الإنسان قابعة هناك في سويداء قلبه؟
قال ذلك ونفث نفثتين من سيجارته ووضع ساقا على أخرى ناظرا إلى
البعيد نظرة المتألهين.
29
الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في
العلبة قبل أن يغادر المكان، قدم لي نصيحة صبيحة اليوم.
قال:" لوِّح للحياة بيدك، طمئنها بحضورك، وقبل أن تضحك لك أغلق أصابع
يدك التي تلوح بها، ومن قبضتك فلينطلق الإصبع الأوسط!.. هاه ياحياة يا بنت الكلب
ابن الكلب...وبذا ستكون قد تغذيت بها قبل أن تتعشى بك"
بصراحة ، أعجبني الرجل ذو الأسنان المثرمة.
30
الرجل ذو الأسنان المثرمة والذي ينسى علبة سجائره كلما غادر المقهى، قال
لي:لا عليكم من ترامب..سامحوه مهما فعل بكم..ليس لان الإسلام دين تسامح والتماس
الأعذار و الخُرطي الذي ألفتموه...أبدا..بل لأن ليس لكم حلا آخر.."
..هذا الرجل..ذو الأسنان المثرمة
يُعجبني كثيرا.
31
الرجل ذو الأسنان المثرمة الذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في
العلبة قبل أن يغادر المكان، جالس لوحده كعادته في المقهى العتيق. ألقيت عليه
التحية وقدم لي سيجارة غولواز ، كانت الأولى لهذا اليوم، وانطلق يسرد عليّ
انطباعاته حول رواية "الخالة تولا " لميغيل دي أونامونو.
هذا الرجل يسحرك بحديثه المتشعب المتشابك.
كتعقيب مني قلت : "وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
رمقني بنظرة باسمة وقال : اتعلم بما تذكرني هذه الآية؟ آية الزبد ؟
قلت : بم؟
-
برافائيل.
-
رافائيل !!! تقصد الفنان التشكيلي Raphael ؟
-
نعم، رافائيل، وتذكرني بإرنست رينان. صمت برهة وقال : هل قرأت دانتي؟
-
اطلعت على الكوميديا الإلهية غير أنني لم أصبر على اتمام قراءتها.
-
عليك ان تفعل قال.
-
ولكن ما دخل رافائيل ورينان بالزبد؟ وهل لدانتي دخل هو ايضا؟
صمت الرجل ذو الأسنان المثرمة، أخذ نفسا
عميقا توهجت إثره السيجارة المكتملة وانطلق كأنه يكلم نفسه : «قالوا عنه زنديق،
وقالوا كافر، أُُحرقت مؤلفاته وتم نفيه إلى قرية أليسانة بإسبانيا..أظنك لم تسمع
بألسانة.. قرية تموج باليهود وحتى أنهم قالوا إنه من أصل يهودي...نعم..اتدري أين
تظهر آية الزبد؟
تظهر مع رافائيل حين تتفتق قريحته ويبدع
للوجود لوحة مدرسة اثينا، ويجعل له مكانا رفقة سقراط وبرمينيدس وزينون وكسينوفون
وأفلاطون وارخميدس وزرادشت واضرابهم...نعم رافائيل يخصص مكانا لابن رشد رفقة هؤلاء
الصناديد.
ومن قبل رافائيل ينبهر دانتي بفكر هذا الذي تم نفيه، ويخصص له مقطعا من
كوميديته، ثم يأتي رينان ويضع كتابا خاصا لا زال مرجعا لطلاب الفلسفة الإسلامية
بالجامعات الأوروبية...اظنه "ابن رشد والرشدية" إن لم تخني
الذاكرة...نعم...ذهب تكفيرهم، ضاع رميهم إياه بالزندقة ادراج غبار التاريخ، واما
ابن رشد فمكث في الأرض، مكث رفقة الماكثين.
استدار نحوي وقال : هل فهمتني أم انني كنت "أُكعرر".
ابتسمتُ وكلي حماس لمغادرته والمسارعة في تحميل كتاب رينان الذي لم اسمع به
من قبل.
إن لم يكن الاختيار قد أُتيح لك فأحرى بك أن تتحلى بالصمت،
أفضل من التحلي بالبلاهة...
لاتكن أبلها وتحدثنا عن تفضيلك القهوة على سائر المشروبات ولم يكن لك خيار آخر غير
شربها رغما عنك.
اغلق فمك ولا تتكلم عن تفضيلك اللون الأخضر مادام هو اللون الوحيد الذي سمحوا لك
برؤيته مذ وعيت.
هكذا تكلم الرجل ذو الأسنان المثرمة.Haut du formulaire
12
اليوم على شاطئ البحر..الرجل ذو الأسنان المثرمةالذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة
قبل أن يغادر المكان، مستلقٍ وحده غير آبه بمن جاء و راح. قدمت إليه وجلست إلى
جانبه وقلت: تبدو مُغرمًا بالمسافةِ التي تُبعدك عن كل شيء، وكأنها عشيقتك !!!
لم يعرني اهتماما فأردفت: ما بالنا نُراوح مكاننا؟ نظرة إلي
نظرة وكأنه كان ينتظر سؤالي هذا وقال:"في المجتمع المؤدلج دينيا تجد الفرد
يبحث ويفكر ويناقش لا لشيء سوى الوصول للنتيجة المسبقة التي تم تلقينه إياها...
لهذا يبقى هذا المجتمع صريع إيديولوجيته لا يتغير في شيء أبدا." قال ذلك وسرح
بنظره بعيدا نحو الأزرق الكبير.Haut du formulaire
13
"أن تستاء،
تنتقد وتمتعض ليس خيانة أبدا، الخيانة يا صاحبي هي أن تكذب و الخيانة الكبرى هي أن
تُصفّق للكاذب أو تبتسم له ابتسامتك الصفراء مبديا رضاك بما يقول" هكذا قال
لي اليوم الرجل ذو الأسنان المثرمة...لكنني نسيت أن أبتدئ بهذا منشوراتي ليومي
هذا.Haut du formulaire
14
لم يكن اليوم كعهدي به... الرجل ذو الأسنان المثرمة...
استقبلني ببرود وقال: هذا أنا كما كنتَ وكما ستظل تراني ، عُد لنفسك واسألها، تأكد
هل هذا أنت، أم هو اعتياد السنين وخوف المجتمع!.
وما إن جلست حتى قام وقد نسي آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان.Haut du formulaire
15
Bas du formulaireأعيدوا التدقيق في الكثير من المفاهيم وغيروها فقد حان
الوقت...علموا أولادكم ان " من علمني حرفا صرت له محبا" وليس عبدا،
علموهم انه لو كان لهم عند الكلب حاجة أن يقولوا له يا كلب وليس يا سيدي، علموهم
أن لا " يبوسو الكلب من فمو" بل " يعطوه بكوتبي" إن هو وقف
لهم حجر عثرة في الطريق....
هكذا قال الرجل ذو الأسنان المثرمةHaut du formulaire.
16
الرجل ذو الأسنان المثرمةالذي
لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان، قرر أن يفضي لي
بمكنوناته...قال لي اليوم: إن لم تتعلم من خساراتك ستتكرر هذه الخسارات وتتراكم...تأكد
أنني لا أعجب من ذلك، فأنت عنصر من مجتمع مولع بالتجريب عاجز عن المراكمة.
- كيف ذلك؟
- مجتمع مفلس دائم التجريب، ملهوف على التجريب، تجربة تمحي
سابقتها...مجتمع لا يفقه للمراكمة معنى، لايغادر خطأً إلى صوابِ أبدا ولا يضيف
صواباً إلى صواب أبدا... مجتمع كهذا سيبقى أبد الدهر يراوح مكانه.Haut du formulaire
17
الرجل ذو الأسنان المثرمةالذي
لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة قبل أن يغادر المكان، لم يقتنع
بفكرتي وهز رأسه نافيا ما قلته له بحجة أن "لكل وغد، هناك قطيع يُدافع عنه.
وإنه من العيث أن أُرهق نفسي في اقناع مُستعبد سعيدٍ بقيوده أن الحرية أجمل! 'Haut du formulaire
18
التقيته البارحة، الرجل ذو الأسنان المثرمةالذي لا ينتظر المديح و ينسى آخر سيجارة في العلبة
قبل أن يغادر المكان....التقيته و قال لي : "لا تتمادى في صلاحك وعليك بركوب
الموجة، فمنذ زمن ؛ أصحاب المبادئ النبيلة يموتون فقراء ثروة، أغنياء نفس، وغُرباء
حياة!"Haut du
formulaire
19
"صدقني، لم
يعد الأمر مجديا. لا تبرر و تشرح شيئا، مارسه فقط وإن تعذّر ابتعد قدر المستطاع
فليس في العمر متسع....وتذكر جيدا أن تكون أنت."
الرجل ذو الأسنان المثرمةفي
لحظة مناصحة.Haut du
formulaire
20
"وتذكر
جيدًا، الحياة الطبيعية لا تحتاج فتوى، بل تحتاج إنسانا." هكذا تكلم الرجل ذو
الأسنان المثرمة.