الأربعاء، 25 ديسمبر 2024

بين الصبر والخرائب: تأملات فلسفية في الفن والتاريخ (3)

 

تمامًا كما في حياة يسوع كلها التي تُوضع تحت العلامة الاستعارية: يوسف، والده الذي ليس والده البيولوجي، أمه، مريم  عذراء و أم، الميلاد في إسطبل، الثور والحمار،  نجمة الراعي التي تُعلن البُشرى السعيدة لميلاده لثلاثة من السحرة الحكماء الذين، بمحض الصدفةً، أحدهم أبيض، والآخر أصفر، والثالث أسود، كل هذا لا يجب أن يُفهم حرفيًا أيضًا ويجب تأويله.

المسيحية فلسفة رمزية. ماذا عن فكر يتطلب الأذان للاستماع، كما يكتب مرقس، في عالم يلي عناية فائقة للتثقيف بشأن الصمم؟ اليهودية أنشأت حضارة التأويل؛ المسيحية، حضارة الرمزية؛ الإسلام، حضارة التكرار. الدير هو المكان الذي تعيش فيه الرمزية، تطول، وتستمر. لأن كل شيء فيها له معنى، باستمرار، في كل مكان، في كل وقت، في أدق التفاصيل. الحياة اليومية فيها هي طريق الوصول إلى المقدس. القداس هو القمة الحادة لهذا الوجود، لهذه الحياة الفلسفية وفقًا لقواعد القديس أوغسطين. إنها آلة حرب ومقاومة في عالم خلا من أي شكل   من أشكال المقدس.

الإغلاق في الدير هو فكرة، لأنه، حيثما يكون الراهب، هناك إغلاق: لقد وهب حياته لمثاله، وأي شخص لم يقدم هذا العطاء يجد نفسه بشكل طبيعي مبعوثاً إلى عالم آخر. أنا الذي كتبت في الصفحات الأولى من كتابي أطروحة في الإلحاد، الذي لا أنقص منه شيئًا، أنني لا أعارض الركّع لكن معارضتي كلها ضد الدافعين إلى الركوع، أنا ثابت على هذا.  أضيف أن الحياة الرهبانية هي جوهر الحياة الراكعة التي لا يهمها سيف القديس بولس كونها أقل إيمانا بقدرة التحول عن طريق الإقناع، البلاغة، القوة، والخداع، الطرق التي غالبًا ما فرضت قوانين الدين، من إيمانها بقوة الصلاة.

الأب ميشيل، الذي هو ملاكي الحارس في هذه المتاهة المعمارية الرائعة، قال لي عند دخوله الكنيسة لعرضها لي أن هذا هو المكان الأساسي لمهنته... أن الصلاة كانت مهنة، لم أفكر في ذلك من قبل. لكنني أدركه فورًا. من صلاة الفجر إلى صلاة المساء، من النهار الذي يبدأ إلى الليل الذي يحل، إنه مسار النور كله الذي يرافقه الرهبان يومًا بعد يوم، شهرًا بعد شهر، عامًا بعد عام، ثم، تأخذ الموت هذا الشخص وتأتي بآخر ليحل محله، حياة بعد حياة - وهذا منذ أكثر من ألف عام.

هذا المكان، كما كتبت، هو مكان نحو. نحو النور الذي يُسمى هنا الله. يصنع الدير وقتًا ليس له أي علاقة بوقت العالم العادي. وفي هذا الوقت تُصنع هذه الرحلات نحو الأعلى، إلى مكان آخر وأكثر من الذات. الوقت العادي هو وقت السرعة والعجلة، التسارع والدوامة، السرعة والتهور. وهو أيضًا وقت الاستبدال: مسمار يحل محل آخر، فكرة، شخص، حياة تحل محل فكرة، شخص، حياة، قبل أن تحل أفكار أخرى، أشخاص آخرون، وحيوات أخرى هي أيضًا مُستبدلة. إنه وقت الأشياء القابلة للرمي(jetable)، المنتهية الصلاحية، القابلة للفساد، وبالتالي الفاسدة. الوقت العادي هو وقت التبخّر، التبخير، التطاير. إنه وقت ضائع بدون أي أمل في وقت مستعاد. وقت مهدور لقتل الوقت. ووقت مقتول، هو وقت ميت.

الوقت المقدس هذا يعطي فكرة عن الأبدية. لأن كل شيء مشفر، مُرمز، طقسيّ ومرتبط بالطقوس. في الجوهر، كل يوم يشبه اليوم الذي سبقه والذي سيليه. يومنا هذا كان هو اليوم الذي مضى والذي سيكون اليوم الذي سيأتي: إنه نفس اليوم مع تعديلات متنوعة. بالطبع، في الساعة السادسة وعشر دقائق، تكون صلاة الفجر كل يوم باستثناء الخميس، وصلاة الظهر مخصصة للأيام العادية وليس للأحد والأعياد، ولكن لا شيء أساسي يتأثر في هذا الفن اليومي لصنع هذا الوقت المقدس الذي يعطي فكرة عن الأبدية.

الوقت العادي يمضي بسرعة خاصة به، ولكن كراهب، ذلك الذي وهب حياته للنور، يعيش أيضًا في بطء الوقت المقدس، في تعليقه suspension ، في نسيجه الأبيض. هذا التباطؤ في وقت الآخرين يخلق وقتًا ممتدًا، مشدودًا، لِنقُل: مشدودًا نحو الأزمنة التي تخرج عن معالمنا الكوسمولوجية. نعلم أنه في الفضاء نفسه، سماء الناس العاديين، يكون الوقت مختلفًا وأنه وفقًا لسرعات جديدة يتم خلق مُددٍ جديدة. لحن الأغنية الزمنية في الدير يشكل معزوفة، هي كذلك، تسير نحو. الحيوات المتكررة هذه، وفي  أدق التفاصيل تخلق أبديةً هنا والآن.

الراهب يسير نحو الله، ولكن النور نفسه ينزل بين البشر ويقدم نوعًا من الصلاة الوثنية. ساعة قيام الرجل تتوافق مع ساعة شروق الشمس؛ نفس الشيء مع ساعة الغروب. بالطبع، القياس الميكانيكي للوقت يمحو المُدد، لكن في الحقيقة إن الأمر مُتعلّق بالمدد؛ بنفس الطريقة التي يتم فيها ربط اللحظات الكبرى في حياة المسيح بالانقلابات والاعتدلات الفصلية، لحظات حياة الراهب تلعب كل يوم الانقلابات والاعتدلات الأنطولوجية.

في الغرفة حيث نستيقظ للذهاب إلى صلاة الفجر، لم يشرق النور بعد، لكنه في طور الظهور: يهتز، يرتعش، يرتجف، إنه لا يزال أبيضا، كأنه ما زال يحمل أثر ليلته. في وقت القداس، يكون قويًا وشديدا، نشطًا ومنعشًا، يحترق بنار باردة تدفئ رغم ذلك.

الكنيسة موجهة نحو الشرق، إنها المكان الذي يعود منه النور بعد الليل الذي كان قد غادر أثناءه، وهي أيضًا الحياة التي تعود بعد الموت. ويمكن للمرء أن يتخيل مدى الخوف الذي كان يشعر به هؤلاء الرجال الأوائل وهم يرون اليوم يتراجع أكثر وأكثر، ومدى فرحهم برؤيته يعود بعد الانقلاب الشتوي – وهو الوقت الذي لم يختره الآباء المجمعيون صدفة كموعد ميلاد المسيح. ان يكون هؤلاء الرجال قد فهموا أن النور يجب أن يُبارك، يُشكر، يُحتفل به، ويُحتفى به، هي ذي جينيالوجيا كل الديانات. المسيحية هي الشكل الثقافي والحضاري الذي اتخذه تقديس النور هذا،  مصدر الحياة. الحياة التي تريد الحياة في كل ما هو حي تستمد قوتها من هذا النور: تجميع محايد للفوتونات، اهتزازات أمواج وجسيمات...


0 التعليقات:

إرسال تعليق

بحث في المدونة