‏إظهار الرسائل ذات التسميات ليبوفيتسكي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ليبوفيتسكي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 19 مايو 2020

غراهام غرين، الكتابة والتسويف

أن تكتب بالقلم أو عن طريق لوحة المفاتيح، ليلا أو نهارا، ترسم تخطيطا مسبقا لحكايتك أو تترك نفسك لتيار إلهامك، لكل كاتب طقوسه وتقنياته الخاصة أثناء أداء مهمة إتمام قصته. لنكتشف نصائح البريطاني غراهام غرين، صاحب ما يفوق الخمسين عملا، ما بين رواية ، دواوين شعر، قصص قصيرة، سير ذاتية وقصص أطفال.

لأن كتابة نص، قد تكون في أغلب الأحيان عرضة للتسويف، فقد اختار جراهام غرين (1904-1991)، مؤلف ذاك الكم المدهش من الأعمال المختلفة ،طوال حياته المهنية طريقة  معجزة: أن تنظم وقت كتابتك. وبذلك، كان يتقيد يوميا بعدد من الكلمات محدد مسبقا.
في شبابه، كان تحدّيه يصل إلى غاية 500 كلمة، كما شرح ذلك في روايته The End of the Affair نهاية القضية (1951) ( والتي ترجمها مارسال سيبون إلى الفرنسية بعنوان "نهاية علاقة" لدى دار النشر روبار لافون)، حيث يصف موريس بندريكس، الشخصية التي تؤدي دور كاتب في الرواية، طريقته في العمل:
"خلال عشرين عامًا، كتبت ما معدله 500 كلمة يوميًا، خمسة أيام في الأسبوع. أريد بذلك إنتاج رواية في خلال عام واحد وهذا ما يترك لي الوقت لإعادة القراءة والتصحيح. لطالما كنت منهجيا للغاية، وعندما تنتهي حصتي المحددة من العمل، أتوقف، حتى ولو كنت في منتصف جملة "يؤكد البطل.
ليضيف: "حتى قصة الحب لم تكن لتغير من جدول أعمالي. "
التغلب على متلازمة "الصفحة البيضاء"
خلال صيف عام 1950، تمكن الكاتب البريطاني مايكل كوردا من مقابلة غراهام غرين خلال رحلة بحرية على الريفييرا الفرنسية وكان شاهدا على مثابرته وانضباطه الذاتي حيث يقول:
"كان دائما يتوقف عن الكتابة حين بلوغه 500 كلمة، حتى و لو أدى ذلك  إلى توقفه في منتصف جملة أو فكرة. كان الأمر كما لو أنه كان يعطي  للكتابة دقة الساعاتي ، ربما كان يحتاج ببساطة ، في حياة مليئة بالشكوك الأخلاقية والارتباك ، لمجال تكون فيه القواعد مطلقة ".
"على أي حال، كانت كتاباته اليومية  أشبه في قداستها بالإخلاص الديني. بمجرد إتمام عقوبة الــ500 كلمة اليومية ، يترك دفتره  ولا يفكر فيه حتى صباح اليوم التالي. "
سمحت هذه الطريقة لغراهام غرين بإراحة ذهنه حتى يتولى العقل اللاواعي الكتابة: "جزء كبير من كتابة الروائي يحدث في اللاوعي، في أعماقه، وهناك بالذات تظهر الكلمة الأخيرة من  القصة قبل ظهور الكلمة الأولى على الورق. " يتابع الكاتب من خلال شخصية موريس بندريكس.
وحتى أنه كان يحتفظ بمذكرات يخط بها أحلامه الليلية، والتي كان يعتبرها المرحلة الليلية من عملية كتابته وغالبًا ما كانت كتاباته هذه صدى لكتاباته في الواقع.
مع الوقت، انخفض عدد كلماته اليومية " من قبل كنت أحدد 500 كلمة يوميًا، لكنني الآن أقصر نفسي على حوالي 300 كلمة". هكذا قال جراهام غرين عام 1971 لصحيفة نيويورك تايمز  حين كان يبلغ من العمر 66 عامًا.

السبت، 25 أبريل 2020

حداثة عربية لما بعد «بعد الحداثة»: فترة فائقة أم رخائية؟

|محمد الحداد|
11 أكتوبر 2009

المثقفون في الغرب منهمكون في البحث عن تسمية مناسبة للعصر الحالي، فهناك شعور بأنه عصر مختلف عن سابقه الذي أطلق عليه عصر «ما بعد الحداثة»، وكان قد شاع قبل ذلك بين المثقفين أنّ عصر
الحداثة قد انتهى مع منتصف القرن العشرين. إذن، العالم تخطّى مرحلتين بعد الحداثة، بينما الخطاب العربي يواصل المجادلة عن الحداثة ويبحث في سبل الدخول فيها أو الالتحاق بها أو التخلص من ضغطها عليه.
الاختلاف في التحقيب (تقسيم العصور والمراحل التاريخية) قضية حاسمة، لأن سؤال المعاصرة يرتبط بتحديد العصر الذي نودّ معاصرته. الأغلبية من المفكرين الغربيين يعتبرون عصر الحداثة وعصر ما بعد الحداثة مختلفين اختلافاً جذرياً. عصر الحداثة هو عصر الإيمان بالغد المشرق الذي تصنعه العلوم والتقنيات، وهو الرفض العنيد للماضي بما فيه من ثقل التراث والعادات، وهو التوسع والامتداد باسم الكونية والعقل المطلق. وقد انتهى هذا العصر عندما ضعف الإيمان بالتطور الخطي للتاريخ وبقابلية العلوم والتقنيات أن تحلّ كل مشاكل البشر، وعندما نشأت ديانات أفقية لم تكن أقل استلاباً للإنسان من الأديان العمودية بما ابتكرته من أنظمة شمولية وإدارات كليانية. انتهت في عصر «ما بعد الحداثة» القناعات القوية لعصر الحداثة، وتم التحول من العصر الصناعي إلى عصر الخدمات والمعلومات، واستقرت تسمية «ما بعد الحداثة» عنواناً لعصر آخر أو مرحلة أخرى غير الحداثة.
الزمن العربي الراكد يغني عن عمليات التحقيب من الأصل، مكتفياً بالهوية والحضارة وسرديات الثوابت
العديد من المفكرين الغربيين يرى اليوم أن تحوّلاً آخر هو في صدد الحصول، وأن عصراً ثالثاً أو مرحلة ثالثة، يبحثان عن تسمية. يقترح البعض عبارة «عصر الرخاء»، اقتباساً من مصطلح كان قد أطلقه الاقتصادي الكندي جون كينيث غالبريث عنواناً لأحد كتبه عام 1958. وينبغي أن نفهم جيداً معنى هذا الطرح: ليس معناه أن الرخاء لم يكن موجوداً في العصور السابقة ولا أنّ كل رجال العصر الحالي ونسائه ينعمون بالرخاء، بل معناه أنّ الرخاء الذي كان في السابق حكراً على نخبة في المجتمع أصبح اليوم متاحاً أمام العدد الأكبر من سكان المعمورة، بسبب ظهور طبقة وسطى بين الأغنياء والمعدمين وتمدّد هذه الطبقة لتحتلّ قاعدة واسعة في كل مجتمع وتنتشر بفضل عولمة الاقتصاد الحديث في كل أقاليم العالم. وقد لا يظهر الأمر بوضوح في منطقة الشرق الأوسط حيث الطبقة الوسطى مرتبطة بالحِرف الصغيرة والوظائف الحكومية، بل قد تبدو الحركة عكسية بفعل سياسات الخصخصة وتراجع القطاع العام وتكاثر المؤسسات الأجنبية، لكنه يبرز أكثر جلاء في المركز الاقتصادي الجديد للعالم، أي آسيا. ففي الصين مثلاً، يقدر الاقتصاديون أنّ 300 مليون شخص قد دخلوا جنان الطبقة الوسطى في السنوات العشر الأخيرة فقط.
البعض الآخر يقترح عبارة «الحداثة الفائقة» ويرى أن الخاصية الأساسية للعصر الحالي ليست مواصلة سمات السابق بل تكثيفها بشكل يغيّر جذرياً وظائفها وآلياتها. العصر السابق قام على التواصل والاستهلاك والتحديث والفردانية والرأسمالية الخ، والعصر الحالي هو هذا كله يضاف إليه كلمة «الفائق» (hyper)، فهو عصر التواصل الفائق والاستهلاك الفائق والتحديث الفائق والفردانية الفائقة والرأسمالية الفائقة، الخ. هكذا يبشرنا الفيلسوف جيل لبوفوتسكي في كتابه «أزمنة الحداثة الفائقة» بأننا دخلنا منذ عشر سنوات هذا العصر «دون آمال مفرطة ودون تبعات كارثية أيضاً»، كما يقول. وحسب هذا الطرح، فإن عصر الحداثة الفائقة ليس تحريفاً للحداثة ولا تحقيقاً لها، ليس تعميقاً لمبادئها ولا خروجاً عنها، إنه ببساطة عصر مختلف عن سابقه، كما أنه مختلف عن عصر «ما بعد الحداثة» الذي كان نيتشوي النزعة شديد التشاؤم، بينما تخلصت «الحداثة الفائقة» من هيغل ونيتشه في الآن نفسه.
وإذا ما طرحت القضية في السياق العربي فإنها تنحرف تماماً عن وضعها الأصلي. فالزمن العربي الراكد يغني عن عمليات التحقيب من الأصل، مكتفياً بالهوية والحضارة وسرديات الثوابت. وإذا ما طرحت مقابلات فهي من نوع المطلق الذي «تجب» فيه كلّ حقبة جاهلية أخرى. والخطاب الحداثي العربي مضطر بدوره لتجاهل التقابل بين الحداثة وما بعد الحداثة والحداثة الفائقة أو مضطر للتخفيف منه، بالادعاء مثلاً أن كل مرحلة هي تعميق لسابقتها، وهذا ما لم يقله أغلب المنظرين الغربيين! والسبب أنّ الخطاب العربي قائم على ثنائية التراث والحداثة، فالتشكيك في الحداثة فضلاً عن التجرؤ بإعلان موتها يؤدي إلى تمجيد الماضي وتفعيل الحنين إليه، ومثل هذا لا يخطر على بال المفكر الغربي الذي يبحث عن «ما بعد» لا «ما قبل»، ولا يريد العودة إلى شيء مستنفد، ولا حتى البقاء في حالة واحدة ولو كانت الحداثة. فهذا الاختلاف في أفق التفكير، بين رؤية تتجه إلى الماضي ورؤية تتجه إلى المستقبل، هو الذي يجعل مقالات الحداثة العربية مضطرة للاحتفاظ بمرجعيات فلسفية وفكرية «قديمة» (القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، بينما مقالات تمجيد الماضي تحتجّ وتنافح وتستشهد بآخر ما صدر من النظريات… منتزعة عن سياقها الخاص وموظفة في خدمة أغراض أخرى!
(عن “الحياة”)


بين ليوتار وليبوفتسكي: اللذة الفائقة في (هنا والآن).

أماني أبو رحمة.
كان الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار أول من تنبه إلى أن هناك بوادر تغير كامل في الحضارة يحدث أمام أعين معاصريها من دون أن يلحظوا ذلك. في عام 1979، نشر عمله الكبير (حالة ما بعد الحداثة). والفكرة المركزية في الكتاب كانت إصراره على "استنفاد الروايات الكبرى" أو بصيغة أخرى ضاربة "نهاية السرديات الكبرى" التي يمكن تلخيصها في: التحرر التدريجي للعقل والحرية وإثراء الإنسانية بالتقدم العلمي والتكنولوجيا، والخلاص المسيحاني...والأهداف الطائشة لورثة العلوم الفلسفية من عصر التنوير، والماركسيين الذين يعدون الثوار بـ"مساء عظيم" وجميع "المؤمنين غير النادمين ". ولكن، وقبل كل شيء، السرد العلمي الكبير للحداثة الوضعية في القرن التاسع عشر، الذي يؤكد على الاعتقاد بمسيرة  التقدم  الذي لا هوادة فيه من قبل أطياف واسعة في ما بعد الحداثة.
مع ما بعد الحداثة، تعثرت الفكرة الخاصة عن الذات الفاعل المستقل، و"الحيوان العقلاني"، الذي بات ضحية أزمة ثلاثية التضعيف. أولا: أزمة فكرة التقدم، ذلك أن أي تحول كان يتطلب ارتفاع التكاليف البشرية والاجتماعية والبيئية. والبراعة التكنولوجية التي تنتج تجريدا متزايدا من الانسانية، والتبذير، وسوء المعاملة. وثانيا: أزمة العقل غير المسبوقة. فقد تراجعت العقلانية الضيقة والوضعية التي سادت في القرن التاسع عشر، تغيرت المعرفة دون توقف. وتم استبدال المظاهر العقلانية بالتفسيرات الغامضة الباطنية واللجوء إلى السحر والاستبصار. وأخيرا، نأتي الى أزمة الثقة ؛ ثقة الشخص. بعد نيتشه وماركس، وفرويد - "سادة الشك" وفقا لبول ريكور - أصبح الانسان على علم بأن ما نقوله ونفعله يلبي مصالح أخرى غير تلك المذكورة رسميا. فوراء الكلمات الكبيرة مثل "الحضارة" و"الإنسانية" تختفي المشاريع الجديدة من الهيمنة - "الإنسانية الغائبة" للأعمال الخيرية على سبيل المثال.
عصر باطل وسريع الزوال.
الميزة الرئيسية لمفهوم ما بعد الحداثة هي أنها أعلنت أن المجتمعات الغربية قد دخلت في عملية تغيير جذري في الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية المنظمة: انهيار العقلانية وإفلاس الأيديولوجيات الكبرى، ولكن أيضا نهاية العصر الصناعي المثمر، وصعود النزعة الفردية والاستهلاك الشامل، وتدهور المعايير المرجعية والتأديبية، والسخط من الأهواء السياسية والتشدد.
ناقش الفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفتسكي هذه الظاهرة في كتابيه (عصر الفراغ: مقالات في الفردانية المعاصرة،1983) وفي (إمبراطورية الأزياء:ارتداء الديمقراطية الحديثة،1987). ووفقا لليبوفتسكي، يتميز المجتمع ما بعد الحداثي بالنيوفردية neo-individualism التي لا تطلب الا اللذة والاستمتاع والتي أطلق عليها اسم "الثورة الفردية الثانية". وتتلخص ملامحها الرئيسية في التخارج من المجال العام، وفقدان معنى المؤسسات الاجتماعية والسياسية الكبيرة، وانحلال الذاكرة الجماعية، والعاطفة المتزايدة نحو التكنولوجيات الجديدة، والنسبية الأخلاقية، وتفاقم النرجسية - التي ندد بها أيضا ندد كريستوفر لاش في (ثقافة النرجسية،1991). وبالنسبة لليبوفتسكي فإن هذه الفردية للجماهير المناهضة للسلطوية هي "فرصة ديمقراطية."
خواء ما بعد الحداثة.
يمكن للمرء أن يحدد ما بعد الحداثة باعتبارها فترة انتقالية. وصف جورجيو لوكي(1982 ) هذا الخواء بأنه فترة من الانتظار يتأرجح مصيرنا فيها بين خيارين: إما استكمال انتصار مفهوم المساواة في العالم، و "نهاية التاريخ"، أو الترويج لتجديد التاريخانية. وهكذا، يرى ليبوفتسكي أننا منذ 11 سبتمبر 2001 وقعنا في( أزمنة الحداثة الفائقة،2004)التي تميزت بها الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة العظمى، المفرطة الاستهلاك، والفائقة النرجسية. (هنا والآن ) هو السائد. وانتصار الاستجابات الفورية instantaneity يعني نهاية رؤى التقدميين، ولكنها أيضا هزيمة أي موقف مبدع. الحاضر الممتع هو الفائز ولا شيئ غيره.

رسول محمد رسول: في الفيلسوف، إنسان التنوير ومفكر صباح الغد

مؤمنون بلا حدود
22 ديسمبر 2016
بقلم: إبراهيم مجيديلة
براهيم مجيديلة: صدرَ لكم في الآونة الأخيرة (سنة 2016) كتابًا بعنوان (ما الفيلسوف؟ إنسان التنوير ومفكر صباح الغد) فما هي الرسالة التي تسعون إلى تبليغها من خلاله؟
رسول محمد رسولببساطة، تراني لم أجعل عنوان كتابي هذا (ما الفلسفة؟) إنما (ما الفيلسوف؟....) لأختلف بذلك وأردّ على كل أولئك الذين يعتقدون بفكرة "موت الفيلسوف" على غرار نخبة النقّاد، والمفكِّرين، والفلاسفة؛ الذين كان يستمتعون منذ منتصف ستينيات القرن العشرين بعبارة "موت المؤلِّف" وفي السنوات الأخيرة (موت الناقد) كما هو عنوان كتاب رونان ماكدونالد؛ فالفيلسوف مازال حيًّا وسيبقى كذلك، وعملية إماتة الفيلسوف تراها قديمة في ثقافتنا العربية؛ فقد كان أبو حامد الغزالي (ت 505 هجرية) ورغم قلقه المعرفي، رمى الفلاسفة بالتهافت فهم، وبحسب منظوره، متهافتون، سواء كان موت الفيلسوف أو التمهيد لذلك برغبة منه، أو بطلب من السلطان السياسي لذلك الزمان، لا سيما أن الغزالي جرّب أن يكون مثقف سُلطة يستجيب لرغبات السلطان في حينه، وذلك عندما سمح لنفسه بعنونة كتابه التكفيري/ التبديعي؛ وهو الأول من نوعه في تأريخ ثقافتنا الفلسفية العربية، (تهافت الفلاسفة) ولم يقل (تهافت الفلسفة) فالعداء لهذا المقاتل ضد الجهل والتخلف (الفيلسوف) تراه مؤصَّلًا في ثقافتنا، حيث جاء تاليًا أبو عمرو ابن الصلاح الشهرزوري (577 - 643 هـ) الذي عمل على تسفيه وتحقير الفلاسفة، ووصفهم بالزنادقة عندما ربط بين التمنطق والتزندق، فمن يفكِّر بمنطق عقلي هو زنديق خارج عن الملة "منْ تمنطق فقد تزندق".
ابراهيم مجيديلة: هل تعتقد أن تداعيات ذلك ما زالت قائمة حتى الآن؟
رسول محمد رسولما هو مؤسف أننا نعيش تداعيات وتبعات هكذا مثبطات لعزيمة العقل العربي والإسلامي، وللأسف هي مثبطات شائعة بين الناس على الصعيد العمومي والشعبي، وهذا الجهل الذي يندس في الوعي العمومي ظاهرًا وباطنًا في "لا وعيه" ما زال قائمًا حتى اللحظة، وفي ضوئه تمَّ إلغاء تدريس الفلسفة في التعليم الأولي، بل والجامعي منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وتم إغلاق أقسام الفلسفة في بعض الجامعات العربية سوى تلك الدول التي ما زالت تتشبث بتدريس المعرفة الفلسفية؛ لأنها الخيار العقلاني الوحيد لضبط حالة الوعي العربي المتردية والغارقة في أوحال الخرافة والجهل، وتلك هي الغاية النهائية، حتى وصل الأمر بأن دولًا عربية تُطلق مشاريع معرفة كبرى وتنفق عليها ملايين الدولارات لكنّها تتحسَّس من نشر الكتب الفلسفية، وتراها تدّعي التنوير العقلي لكنها غارقة في أوحال الخوف من الفلسفة بل الكراهية للمعرفة الفلسفية.
ابراهيم مجيديلة: هل تعتقد أن صحافتنا تشترك في هذا التغييب للفيلسوف؟
رسول محمد رسولما زالت صحافتنا العربية لا تسمّي صاحب الفكر الفلسفي بـ "الفيلسوف" بل تكتفي بعنوان "مفكِّر" أو تنزل إلى درك أسفل، وهو تخلُّف، وتسمي الفيلسوف "كاتب" فهناك "لا وعي" حتى لدى النخبة الصحافية التي تفرض سلطتها على الأداء اليومي، فهناك "لا وعي" قابع لديها ينفر من وجود الفيلسوف ومن تسميته، وتلك كارثة مضاعفة تتشارك بها هذه النُّخب لتهميش وجود الفيلسوف ودوره، أليست التسمية وجود، أليست تسميتنا لإنسان ما بأنه "فيلسوف" هي تعبير عن وجود؟
أعود إلى سؤالك، ففي كتابي هذا أعيد الاعتبار للفيلسوف ابتداء من عنوانه، أعيد الاعتبار لمكانة هذا الإنسان المفكِّر بعقله وضميره في الحياة والوجود، أعيد الاعتبار نفسه للفيلسوف بوصفه وجودًا وموجودًا معًا.
ابراهيم مجيديلة: ما هي الصورة العامّة التي يقدمها تأريخ الفلسفة عن شخصية الفيلسوف؟
رسول محمد رسولإنها صورة مشرقة بقدر ما هي عاتمة، التاريخ في كل زمان ومكان تراه يحفل بالفلاسفة، بعد سقوط بغداد سنة 656 هجرية دخل العرب والمسلمون في مراحل من غياب الحياة الفلسفية، بل الثقافية الفاعلة أيضًا، فلم يظهر فلاسفة آخرين على غرار الكندي والفارابي وابن سينا والرازي وقبلهما جابر بن حيان.
كان سقوط بغداد في ذلك العام هزيمة كبرى للعقل الفلسفي بالمشرق العربي كله، بات العقل العربي يجتر بقايا ما تركه هؤلاء من نشاط فلسفي قوامه العقل حتى جاءت موجات الاستعمار المغولي والفارسي والعثماني والبريطاني التي فعلت، أول ما فعلت، العمل على طمس التفكير العقلي لصالح الخرافة والجهل والتفكير الشعبي الساذج الذي يفكِّر الحياة بالغريزة والحس الباهت في ظل الشعور بالهزيمة والخوف والحرمان والتخلُّف المعرفي والعوز الاقتصادي والتردي الصحي، لينحسر دور التفكير الفلسفي سوى ما كان منه يعتاش على ضماضم الماضي التليد.
ومثلما فعل الغرب الأوروبي في عصور نهضته الحديثة على استعادة دور الفيلسوف اليوناني والروماني بل العربي أيضاً في أيام تألقه وعطاءه الباهر، كذلك فعل العرب في عصر نهضتهم الحديثة عندما عادوا إلى أمجادهم الفلسفية، ولكن شتان بين التجربتين، فلقد تركت موجات الاستعمار المغولي والفارسي والعثماني والبريطاني، وأخيرًا الأمريكي، أثرًا فادحًا في تسطيح الوعي العقلي العربي، وهو التسطيح الذي ما زال قائمًا حتى اليوم وتلاحظ أننا ندفع ثمن هيمنته علينا.
أعتقد أن العودة إلى الفيلسوف؛ هو عنوان الشروع بخلق حياة فلسفية عربية نفتقدها منذ قرون، ومن هنا، لا بدَّ للمجتمع والدولة من التمسُّك الحيوي بعودة الفيلسوف إلى طاولة الحياة المعاصرة، إلى مائدة الشراكة في الحياة الثقافية والعلمية بل والسياسية حتى، فمن دون الفيلسوف لا توجد سوى حياة ثقافية خالية من العقل، ومن ثقافة العقل، ومن جسارة الإيجابية، وهل هناك إنسان من دون عقل؟ بالتأكيد لا يوجد إلاّ إذا كان شبيهًا بالحيوان غير الناطق.
لقد حفل التأريخ بصور متعدِّدة من الفلاسفة، وكان ذلك محطّ ثراء للأسف نحن لم نستثمره لصالح حياتنا الراهنة وذلك لأسباب عديدة منها؛ أولًا: ضمور الحياة الفلسفية في مجتمعاتنا؛ بمعنى أن حياتنا الثقافية خاوية من الحراك الفلسفي الفاعل. ثانيًا: وجود ثقافة الخوف الشائعة من كلمة "فلسفة" ومن كلمة "فيلسوف". ثالثًا: ثقافة الاحتقار الشعبية حتى للرنين الصوتي للكلمتين "فلسفة وفيلسوف". رابعًا: هيمنة ثقافة التحريم والتكفير التي أشاعتها الحركات السلفية القديمة/ الجديدة في أشكالها الإجرامية والدموية كجماعة "تنظيم القاعدة" و"داعش" وقبلهما، وربما بعدهما، مما سيتفرّع عنهما. ناهيك، وهذا خامسًا: عن الخواف الزائف الذي تبديه الحكومات العربية من الفلسفة والفلاسفة بحجّة ضغوط الإسلاميين والإسلامويين عليها معًا، وهو تبرير زائف؛ فالأنظمة العربية الراهنة، كما السابقة، لا تريد أي صوت للعقل الفلسفي؛ لأنَّ هذا الصوت، كما هو صوت الإصلاح الحقيقي، يثير صداعها وقلقها من صحوة ويقظة الفرد العربي في مجتمعاتها التي تحكمها بشتى أساليب فلسفة ما بعد الحداثة أو الحداثة السائلة أو الحداثة الفائقة إلاّ الفلسفة.
ابراهيم مجيديلة: هل يُفترض أن يكون شهيد الفلسفة (سقراط) نموذجًا لكل فيلسوف، ويلقى نفس مصيره؟
رسول محمد رسولهذا يرتبط بالتلقي الخاص بكل واحد منّا لشخصية سقراط الذي كان شهيد الحكمة عمومًا وليس الفلسفة فقط، شهيد الفضيلة والخداع السلطوي والنُّخب المجتمعية الفاسدة والمحسوبيات الضارة. وراهنًا نحن نعيش أزمة حكمة، وأزمة فضيلة، وأزمة خداع مجتمعي طبقي وسلطوي فاسد، نعيش طامة كبرى اسمها المحسوبيات، وهي أنظمة عيش جهوية غرائزية مدمرة تنخر مجتمعات الفوضى الخلاقة العربية، وأنموذجها العراق بعد هزيمة الدولة فيه، وحلّ الجيش، وتدمير البنية التحتية، وتصدير الديمقراطية الأمريكية الهوجاء إليه بغية التحديث، لكنّه التحديث الذي أعاد العراق، مثلًا، إلى العصور الوسطى، عصور الظلام الجهوي بكل أشكاله؛ المذهبية والعرقية والمناطقية والعشائرية.
تريد الولايات المتحدة الأمريكية إدخالنا في مرحلة الحضارة السائلة أو الحداثة الفائقة عنوة، وهي حداثة ما بعد حداثية (يسميها زيغمونت باومان بالحداثة السائلة) لم تقدِّم للبشر سوى الخراب والضياع والموت بصور مجانية فادحة؛ فها هو العراق تسيل فيه الفضيلة بل الفضائل إلى أنهار الفساد الأخلاقي، كل شيء في العراق يسيل عن أصله نحو خرابه وضياعه، فالبشر جميعهم شهداء الخراب، جميعهم سقراط الذي تجرّع شراب السم ومجتمعاتنا الآن تتجرَّع الشراب ذاته؛ ألا ترى معي أن مجتمعاتنا العربية تعيش موتها البطيء وهي تتجرع سمّ الفوضى الخلاقة التي لا تريد للإنسان العربي أن يتذوَّق الإصغاء إلى صوت العقل الحكيم؟
ابراهيم مجيديلة: ما هي الأدوار المنتظرة من "الفيلسوف" في عالمنا الإسلامي والعربي؟
رسول محمد رسولإنها كثيرة، وتراني في هذا الكتاب دخلتُ إلى تأريخ تصوّرات الفيلسوف لنفسه، لذاته، لكيانه، ولكينونته، دخلت إلى وجوده؛ لأنظر كيف ينظر هو نفسه إلى ذاته كفيلسوف، كيف يرسم وظيفته وأدواره في المُعاش الإنساني والحضاري والثقافي والمعرفي برمته، واستعرضتُ، في هذا المجال، الكيفية التي ينظر فيها ثلاثة من الفلاسفة الألمان الكبار إلى الفيلسوف، فقد دخلتُ إلى عالم إيمانويل كانط، وفريدريش نيتشه، ومارتن هيدغر؛ أي إنني استعرضتُ مفهمة هؤلاء الفلاسفة الثلاثة الكبار التي ظهرت خلال قرن ونصف، وهذا لا يعني أنه لا توجد رؤى أخرى، ولكنّني حرصتُ على تقديم هذه الرؤى لأهميتها في تأريخ الفلسفة الأوروبية كونها انطلقت من منظورات ثلاثة هي: المنظور الابستيمولوجي لدى كانط، والمنظور القيمي لدى نيتشه، والمنظور الأنطولوجي لدى هيدغر، وكلها تجتمع على أن الفيلسوف إنما هو إنسان يعيش في صميم الحياة والوجود، وهي منظورات غير ميتافيزيقية، وهذا ما نحتاجه في عالمنا العربي والإسلامي، وهو لا يعني أنّنا نبخس حق المنحى الميتافيزيقي في التفكير البشري ولا نرفضه جُملة وتفصيلًا، لكنّني أعتقد أن معركة الإنسان العربي هي معركة معرفة، ومعركة قيم، ومعركة وجود في آن واحد، حتى هذه اللحظة.
لقد قلتُ في كتابي (ما الفيلسوف؟) بأن للفلسفة وظيفة حيوية في راهننا تتمثل "بممارسة تفكيرية تُعيد بناء الوجود البشري والمعرفي لإنساننا العربي المأمول وفق طاقة قدراته العقلية ومكانته ا لأنطولوجية، وذلك من خلال أربعة مسارات متعاضدة متجاورة، هي: مسار معرفي قوامه العقلانية النّقدية الإنسانية ويتم فيه إحياء مبدأ العقل الإنساني النَّقدي بوصفه الأداة الآمنة التي منشأنها التعامل الحيادي مع البشر؛ بوصفهم كائنات حرَّة التفكير من دون أن يغيِّب الضرورة الأنطولوجية. ومسار قيمي قوامه إحياء القيم الإنسانية العامة كقيم التعايش السِّلمي والتواصل الحضاري والثقافي بين الأفراد والمجتمعات والحضارات؛ وذلك بالانطلاق من مبدأ أن الإنسان هو القيمة الأعلى في الوجود. ومسار مجتمعي قوامه إحياء ثقافة المسؤولية الجماعية – المجتمعية غير المتعصِّبة، ولا المتطرِّفة، ولا التكفيريّة أو التبديعيّة، بغية تقويض وتفكيك الوعي التحريمي والتكفيري والتبدُّعي والتدميري المتطرِّف الناتج عن أهواء جهويَّة مرضيَّة متعصِّبة سواء أكان تدينية أم مذهبية أم عرقية أم مناطقية. ومسار أنطولوجي قوامه أن الإنسان هو كائن أنطولوجي، والمجتمع هو كيان أنطولوجي، والعالَم كيان أنطولوجي، والسلوك الفردي كيان ذاتي - أنطولوجي. ما يعني ضرورة إحياء الوعي بأنطولوجيا الوجود والحياة والسلوك اليومي، للحدّ من هيمنة التفكير الإيديولوجي المتطرِّف التي باتت مفاعيله تتحكَّم بمصائر العالم والبشر أجمعين. ولعل مشروع المفكِّر العراقي "الدكتور عبد الجبّار الرفاعي" يعدّ بذرة في هذا الاتجاه الأنطولوجي عبر كتابه "الظمأ الأنطولوجي للمقدَّس" وكذلك مشروع المفكَّر اللبناني "الدكتور مشير عون" في كتابه "هيدغرو الفكر العربي" الذي يعدُّ أيضًا بذرة مماثلة (ص 34-35).
في كتابي هذا، كان تأكيدي على "أن أنموذج الفيلسوف المأمول راهنًا، لا بدَّ له أن يستحضر إرادة الرغبة العقلية الحقيقية المقتدرة بالتنوير بعيدًا عن أية ميول جهويَّة أو أسطورية أو خرافية متعالية، كما كان حال التنوير الأوروبي في بعض أشكاله، التنوير الذي استركن باحات هذه الميول حتى سقط في فخاخها مهزومًا، يستحضر إرادة التخلُّص من الشُّعور الحاد بالغربة السَّلبية عبر تفكيك هذا الشعور ودحره صوب الانفتاح التفاعلي الخلاق بين الفيلسوف والمعرفة والواقع المعاش. وكذلك تفادي التعالي على أنموذج فيلسوف يمكن أن يكون هاديًا لمشروع تنويري ما، وتبديد مخادعة الحدوث التاريخاني لفعل التفكير الفلسفي التي يبديها هذا الطرف أو ذاك من دُعاة اليأس الذاتي الذين عجزوا عن وصل معرفتهم الفلسفية وملامستها مع حراك الواقع المجتمعي خارج الإطار المؤسَّساتي. والنَّظر إلى ما يجري في الواقع كاستثناء وحدث وانقطاع، لا كمجرَّد صيرورة غُفل تأتي وتمر وتذهب، بحيث تهيئ، هذه الثلاثية المفهومية، لبنية المعرفة الفلسفية طابعها في أن تكون الاستثناء المعرفي، والحدث المعرفي، والانقطاع المعرفي، وتهيئ تجربتها التاريخانية أيضًا لولادة فيلسوف الاستثناء المعرفي، فيلسوف الحدث المعرفي، فيلسوف القطيعة/الانقطاع المعرفي الفلسفي الأصيل.
بهذا يمكن أن تصبح المعرفة الفلسفية التنويرية الإنسانية العقلانية النّقدية أكثر من كونها مجرَّد تخصُّص معرفي أكاديمي خبيء أسوار الجامعات أو سجينها الراجف. وبذلك، وبذلك فقط، يمكن للفيلسوف أن يوقظ الحوار مع ما يجري في العالم، يوقظ التنافذ التواصلي مع مصير العالم من خلال التفكُّر الأصيل الذي هو مصيره الوجودي والأنطولوجي كإنسان وهبته طبيعته البشرية القدرة على التفكير الخلاق في ما يجري، وما يكون، وما سيكون، أو ممكن (أنْ) يكون" (ص 52 - 53).
ولهذا تراني أعتقد بأنه "لا بدّ للفيلسوف من تجديد دوره على نحو تزامني مزدوج؛ تجديد دوره المعرفي الخلاق، وتجديد دوره الوجودي اليقظ معًا، ومعاودة ذلك الدور بأصالة خلاقة فائقة في انهماكه االتاريخاني، وذلك عبْر تبديد عزلته "عزلة الفيلسوف الصامتة" عمّا يجري حولـه في الواقع المُعاش، بلا استعجال مُسائلة ذلك الـ "ما يجري، وما يحدث" في الواقع على نحو متروٍّ. وبذلك، يتحوَّل الفيلسوف المأمول من مجرَّد كائن طاووسي مفتون بذاته وبمعرفته الفلسفية التي له دون غيره، بحسب أوهامه ومن باب الاحتكار النَّرجسي لاغير، إلى مُتفلسف تاريخاني أصيل ينفتح على الوجود اليومي غير الاستهلاكي ليضيء دروبه بحيث يجعل من نظامه المعرفي الذي لا بدّ أن يكونه الفيلسوف وهو يلاقي العالم من حوله، نظام معرفي مُوطَّد العلاقة مع حراك التاريخ الجاري، ومع حركيته التاريخانية المعاشة فعلًا، على نحو تعاضدي مُتزامن في حضوره وانشغاله بما يحدث ويجري حوله" (ص 64).
ابراهيم مجيديلة: أريد الذهاب إلى وسط كتابك، إلى "الفصل الثاني" الذي ضمَّ ثمانية فصول مصغرة مكثفة حيث فلسفتك في العقل وإشكاليات أخرى؟
رسول محمد رسولنعم، يبدو لي وسط الكتاب مهمًّا، بل عمقه الفكري الخاص به، فهو يمثل بالنسبة لي وجهات نظري في القضايا التي تناولتها، وتحديدًا منحاي العقلي النقدي التنويري الإنساني الذي يشدني التفكير فيه وبه؛ فمنذ كتابي الأول (العقلنة.. السبيل المرجأ) الذي صدر ببغداد سنة 1992، شرعت برؤيتي في التفكير العقلاني واتخذته مسارًا لي، وعدت مرة أخرى لأتناول المسار نفسه في كتابي (نقد العقل التعارفي) الذي صدر في سنة 2004، وكذلك في كتابي (نقد العقل التدميري) الذي صدر في سنة 2009، لكن يبقى الكتاب الأول هو التأسيسي في هذا المجال ليتطوّر الأمر أكثر وبكثافة عالية في كتابي (ما الفيلسوف؟) حيث الرؤية تتسع نحو العقلانية النقدية الإنسانية، وهو ما تطلَّب التطرق إلى جملة مشكلات ناشئة ترتبط بها كمشكلة العقل المدني، والعقل الإصلاحي، والعقل الجهوي، والعدمية الجديدة، والموقف من التفكير الجهوي بكل أشكاله، كذلك الموقف من الغيرية، وتفكيك الكراهية، والموقف من الحقيقة المفتوحة. يمثل وسط الكتاب أو الفصل الثاني من كتابي شرعة الرؤى التي تميز خطابي الفلسفي من عصرنا وإشكالياته. باختصار أقول: إن وسط كتابي هذا يمثل فلسفتي بشأن العقلانية النقدية الإنسانية.
ابراهيم مجيديلة: بأي معنى يمكن الحديث أن "الفيلسوف الطائفي"؟
رسول محمد رسولفي كتابي هذا لم استخدم مصطلح "الفيلسوف الطائفي؛ بل استخدمت مصطلح "فليسوف الطائفة" وقلت تحديدًا: إنه، "وفي ظلِّ مشروعات تفكيك الدولة الوطنية وتمزيقها إلى ولايات مذهبية، وإلى أقاليم عرقية ومناطقية، ووفق أجندات تقسيمية جديدة للمنطقة العربية، فإننا يُمكن أن نشهد ولادة ارتدادات ظلامية مُضاعفة سينصرف فيها الفيلسوف عن عالمية المعرفة الفلسفية إلى بؤر معرفيّة جهويَّة، فلا غرابة أن يظهر فيلسوف الطائفة أو فيلسوف الولاية، وفيلسوف العرق أو فيلسوف الإقليم، وفيلسوف القبيلة أو فيلسوف العشيرة، ليظهر عمل العقل الفلسفي مندحرًا في فضاءات ضيّقة وعقيمة ظلامية يبدو فيها مغتربًا عن أنطولوجيته العقلية النّقدية المفتوحة على العمق الإنساني" (ص 33).
في هذا النص، احذر مما أسميته بـ"الارتدادات الظلامية المُضاعفة" كأن ينحدر الفيلسوف من عالمية المعرفة الفلسفية وكونيتها وإنسانيتها العامة نحو بؤر ضيقة، وأقصد بها "البؤر الجهويَّة" كأن تكون الطائفة المذهبية بؤرة جهويّة، وأن يكون العرق بؤرة جهويّة، وأن تكون المنطقة بؤرة جهويّة يرجع إليها الفيلسوف كحاضنة معرفية وثقافية وحضارية، وهو أمر شائع في الغرب وأوروبا، فهذا "صموئيل هنتنغتون" وهو فيلسوف وليس مجرد كاتب في الشأن السياسي أو الاستراتيجي، دعا العالم وعبر نظريته سيئة الصيت "صدام الحضارات" إلى تجييش الهويات الجزئية الجهوية، ناهيك عن فلاسفة العنصرية والتمييز العرقي، فالفيلسوف الطائفي هو الذي ينحدر من عالمية الإنسان وعالمية الفكر الفلسفي صوب قاع الجهويّات الجزئية، هذا الفيلسوف يصادر قيمة الإنسان كإنسان ويفكِّر في الإنسان بوصفه (مجرد جهة تابعة سواء لمذهبية أم عرقية أم مناطقية) وبذلك هو ينسجم بل يتماهى مع "نظرية صدام الحضارات" وأفكار صاحبها هنتنغتون التي أثارت الفوضى في العالم، ناهيك أيضًا عن نظريات "المحافظين الجُدد" الذي سار هنتنغتون في دروبها.
ابراهيم مجيديلة: ألا يُفترض أن ينحاز "الفيلسوف" إلى قضية ما؟
رسول محمد رسولوهذا حق للفيلسوف، ولكن انحيازه لا بدَّ أن يقوم على دعامات أساسية؛ فلا ينبغي أن ينسى الفيلسوف بأنه (إنسان الإنسان) كذلك لا ينبغي أن ينسى بأنه هو الابن الشرعي للمعمورة الكونية، وليس ابنًا لعرق فقط أو طائفة دينية فقط أو منطقة معينة فقط، ولا ينسى كذلك بأنه الكائن المفكِّر ضمن عالمية بشرية؛ لأن الفلسفة ذات لغة عالمية، فهي ليست مجرد فلكلور شعبيٍّ يخص فئة أو قبيلة أو عشيرة معينة دون غيرها. وعندما تتوفَّر مثل هذه الدعامات للفيلسوف، فإنه يمكن أن ينحاز إلى جُملة مفاهيم ومسائل وقضايا وخطابات معينة متداولة بين الناس؛ فالفيلسوف هو إنسان عالمي الوجود لأن الفلسفة في حدِّ ذاتها هي هكذا، وهذا هو انحيازه الأول بل والأساسي في حياته ووجوده، ولا بأس أن ينحاز إلى قضية ما، شرط أن تنسجم مع كل ما هو إنساني عقلاني أنطولوجي كوني.
ابراهيم مجيديلة: بالعودة إلى عنوان كتابكم (ما الفيلسوف؟ إنسان التنوير ومفكر صباح الغد)، فما هو "صباح الغد" الذي ينشده الفيلسوف العربي؟
رسول محمد رسولالفيلسوف في حدِّ ذاته هو الإنسان الذي يفكِّر في الغد بقدر تفكيره في اليوم أو الحاضر فهو (إنسان مستقبلي) لا يتغافل عن منطوق "ما ينبغي أن يكون" وهذه العبارة هي ابنة بارّة للمستقبل، وذلك منطلق غير حجاجي حتى نقبله أو نرفضه.
وعندما قرأت الأعمال الكاملة لنيتشه في ترجماتها العربية، وجدت التفكير في الغد أو في المستقبل يستأثر باهتمام هذا الفيلسوف الجذري، لا سيما أنه قال "أما الفلاسفة الحقيقيون فهم آمرون ومشرّعون، إنهم يقولون: هكذا يجب أن يكون" ما يعني أنهم يفكِّرون اللحظة التالية، يفكِّرون صباح اليوم التالي. وفي ضوء ذلك راح نيتشه يقول عن الفيلسوف بأنه "إنسان للغد وبعد الغد" كما وثقّت هذا النص في كتابي حيث قلت: "إن الفيلسوف هو كائن الغد، كائن صباح الغد أو صباح اليوم التالي الذي يفكِّر في هذا المستقبل بقدر ما يمدّ الأواصر معه ليصنعه، إلاّ أن الفلاسفة، مُنتجو الغد، لا يصنعوا الغد هكذا، وعلى نحو آلي أو ميكانيكي معقلن أو حسابي أوتعاطفي، إنما بإحساس مسؤول كون الفلاسفة هم "عذاب ضمير عصرهم الخبيث" كما كان يقول نيتشه" (انظر: ص 147).
الفيلسوف العربي هو ضمير عصره وعندما لا يكون كذلك فهو خارج مسرح العقل والتاريخ، أما صباح الغد فهو الصباح المفكِّر فيه بمنحى عقلاني إنساني نقدي أنطولوجي يُعيد الإنسان المغترب عن إنسانيته إلى ذاتها، ويعيد العقل الإنساني إلى نصابه بعد اغترابه عنه نحو اللامعقول، ويُعيد التفكير البشري إلى منحاه النقدي بعد أن كان منزاحًا عنه صوب التسليم الأعمى بكل ما تُنتجه الحاضرة من معطيات يقبلها الإنسان دون تمحيص معرفي ولا قراءة نقدية.
فلاسفة صباح الغد لا يدحرون الفلسفة إلى ما بعدها، كما يفعل ريتشارد رورتي انطلاقًا من رؤية أمريكية براغماتية تتغنى بموت الفلسفة وربما موت الفيلسوف النْسقي بشكل عنفي لا تميل إليه الفلسفة عندما تدحرهما وفقًا لتعبير (ما بعد الفلسفة) وهو تعبير إقصائي يحفل بموضة "المابعديات" التي تلهث بها فلسفات ما بعد الحداثة (تشارلزجينكس، هو أول من استخدم تعبير ما بعد الحداثة، وأطلق عليها جيل ليبوفاتسكي اسم حضارة الخفة قبل عامين).
وهذا لا يعني أنّني أرفض جذريًّا المصطلحات التي تبدأ بتعبير (ما بعد) بل إنني استخدمته منذ عام 2001 عندما صدر كتابي (الغرب والإسلام.. قراءات في رؤى ما بعد الاستشراق) لكني لم أنفي الاستشراق ولم أرحِّله إلى الموت، بل تراني وقد تحدَّثت عن جُملة الرؤى التي ظهرت في تسعينيات القرن العشرين تلك التي غيّرت موقفها من العرب والمسلمين، ولكن حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أعاد الرؤى الإيجابية بشأن الإسلام والعرب إلى المربع الأول، وهو مربع تعجُّ به النظرات السلبية إلى عالمنا العربي والإسلامي.
وفي النهاية، وعندما ينظر الفيلسوف إلى الإنسان من حيث هو (إنسان) يكون قد وضع إصبعه على جوهر التفكير الفلسفي في الغد، الذي هو تفكير مستقبلي تنشدهُ الفلسفة وينشدهُ الفيلسوف بأصالة مقرونًا بالتفكير في الراهن والحاضر بوصفه التفكير في ما يحدُث وما يكون وما يجري، وتلك مَهمة من مَهام الفيلسوف العربي المعاصر، لا بدّ أن يضطلع بها برحابة ذهن وصبر دؤوب.

إنسان الحداثة.. إلى أين؟؟

المصدر: عائشة سلطان
التاريخ: 09 ديسمبر 2017
«إن مجتمع الحداثة الفائقة مجتمع يتميز بالحركة والتدفق والمرونة والاستهلاك بلا حدود: الاستهلاك لأجل المتعة. فضلاً عن أنه يبتعد عن المبادئ العظيمة التي هيكلت الحداثة أكثر من أي وقت مضى. وفي حين أن الفرد الفائق الحداثة يجري توجيهه نحو اللذة الدنيوية والمتعة، إلا أنه أيضاً يمتلئ بنوع من الخوف والقلق الذي يتأتى من العيش في عالم ينزلق بعيداً عن التقاليد ويواجه مستقبلاً غامضاً» هذا ما يؤكده عالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفيتسكي.
ينخر القلق في عظام أفراد الحداثة الفائقة، ويفرض الخوف نفسه على متعهم، كما ويفسد حرياتهم، كل شيء يدق ناقوس الخطر فوق رؤوسهم فيزدادون رعباً كل يوم، فتتصاعد صناعة أنظمة الحماية وكاميرات المراقبة، كما تزداد أفلام الرعب والجريمة، والحركات الشوفينية المتطرفة، وحالات العزلة والشك وأمراض الاكتئاب والوحدة، وتكثر جرائم الانتحار في بلدان لم تدخر وسعاً لتوفير أقصى سبل الراحة لمواطنيها!
عندما دعا نيتشه إلى التحرر من الدين، دافع الكثيرون عنه واعتبروه مفكراً يبحث عن خلاص الإنسان من القيم العدمية التي تقيّده وتمنعه من الانطلاق والحركة الخلاقة، لقد ارتبط هذا الانعتاق من قيود القيم بإلغاء فكرة التدين وتعاليم الكنيسة في أوروبا، وإعلاء فكرة الإنسان المتفوق الذي لا توجهه قوة، ولا تحدّه حدود! فهل تحرر الإنسان هناك فعلاً من عدميته وأصبح أكثر فاعلية؟ أم أن أوروبا دخلت دوامة عدمية أخرى باختراع الإنسان المتفوّق المنفلت من ضوابط الأيديولوجيا والقيم؟ ليست أوروبا فقط، فحتى الفرد العربي والمسلم واقعان في الفخ ذاته، يعيشان عدميتهما بطريقتهما المضطربة، بالكثير من استهلاك المادة والانغماس في ملذاتها، فحيث يقل الدين ويكثر التدين تتعالى أصوات التكفير والتحقير وحركات التمذهب والتطرف والجهاد وقتل الآخر باسم الله، بينما ما يحدث تحت السطح أشد فظاعة مما قاله نيتشه!!
إن ما نعايشه بوضوح هو وجود أفراد أكثر تعليماً وأكثر تدريباً، ولكنهم أكثر تحطماً أيضاً، إنهم بالغون وناضجون، ولكنهم قلقون وغير مستقرين. فضلاً عن أنهم أقل تمسكاً بالدين والقيم الأخلاقية، في الوقت الذي هم فيه أكثر اتباعاً لتغيرات الموضة، أكثر انفتاحاً ولكنهم أسهل تأثراً بكل ما يطرأ من توافه، أكثر انتقاداً لكنهم أيضاً أكثر سطحية، أكثر شكاً وأكثر غموضاً، ولم يعد لديهم أي قيمة إيمانية يمكن اللجوء إليها للطمأنينة والسكون. باختصار تلك هي أيام الحداثة الفائقة.


ما بعد الحداثة الاستهلاكية

كان الفنّان عدو عالم المال لكنه دخل منطق السوق والطلب وما فوق الجمالي
المفكر الاجتماعي الكبير جيل ليبوفتسكي يُشرِّح مرحلة ما بعد الحداثة الاستهلاكية:
الجمعة14 يونيو 2013

هو جيل ليبوفتسكي، أحد أشهر علماء النفس والاجتماع الفرنسيين والمعاصرين، لا يتوقف عن إعطاء الإشارات للقبض على اللحظة الراهنة ليقدم ظواهر مجتمع ما بعد الحداثة برؤى وأفكار وتساؤلات ولقاءات مباشرة معه في مدينة «غرينوبل» الفرنسية أو باريس أو القاهرة أو الاسكندرية أو عبر الكثير من المراسلات والمحاضرات والكتب.
فيلسوف التفصيلات الصغيرة في الدلالة على الطبقة الإنسانية ومدى التغير في الوجود الإنساني لجهة الميول والرغبات والبناء الاجتماعي والتحول في كل الأفكار الصلبة والمستقرة.
هو المنشغل بالأمور الاجتماعية وبالنزعة الفردية ونزعات الموضة والاستهلاك المفرط في المجتمع الرأسمالي وتجليات تعوق مسيرة الديمقراطية تجسيداً للفراغ مع تزايد مفرط لحرية الأفراد وفقدان السيطرة على السيطرة نفسها، إلى عالم «المرأة الثالثة» والماركات الصناعية المتجددة و"السعادة المفارقة".
فيلسوف لم يتوقف عن البحث عن تصورات جديدة لها علاقة بالثقافة والفكر والجماليات وفي خصائل الثقافة التي تنتجها الوسائط المدنية في مرحلة جديدة من الرأسمالية يسميها مرحلة الاستهلاك العالي أو مجتمعات الإفراط في الاستهلاك.
منذ كتابه الأول «زمن العدم» العام 1983 والذي قدم فيه «مجتمع ما بعد الحداثة» والذي يمتاز بها أسماء «الثورة الفردانية الثانية» وعلى مدى 4 عقود متتالية لم يتوقف جيل ليبوفتسكي عن تحليل المجتمع الغربي المعاصر وعبر مفاهيمه الجدلية:
«الحداثة المفرطة» و»الفردانية المفرطة»، «مملكة الزائل»، «وانحسار الواجب» (1992)، و»الغرب المتعولم» (2010) و»الشاشة الكوكبية» (2011). هذا ويتابع ليبوفتسكي لنشاطه وأصدر حديثاً دراسته التي كتبها مع جان سيراوي بعنوان «جماليات العالم» الحياة في عصر رأسمالية الفنان»، عن («منشورات دار غاليمار»).
عنوان جديد لصاحب كتاب «المرأة الثالثة» و»مصير الغواية» يقدم مساهمة بحثية جديدة في تجليات جديدة في الزمن الحاضر والمجتمع الرأسمالي وفي الدلالة لجماليات يقترحه المجتمع نفسه وفي صياغات لحريات فردية أخرى مرهونة أي الجماليات بسياقات ثقافة معينة.
مجلة «الاكسبرس» الفرنسية حاورت ليبوفتسكي، وهنا نص الحوار:
الإعداد والتقديم: يقظان التقي
لماذا قررت أن تكتب وتؤلف كتابات بعنوان «جماليات العالم في عصر حيث العالم الاستهلاكي يزداد تقدماً بصورة بشعة؟
- منذ بدايات العصر الصناعي تعدى أصحاب المذهب البروتستانتي للبشاعة في العالم وأحضروا معهم الرأسمالية، في حداثة صناعية جديدة قد ولدت ومعها تزامنت حضارة الرغبة وتعززت أركانها منذ النصف الثاني من القرن العشرين ومثلت نوعاً من «الثورة» التي لا تنفصل عن التموجات الجديدة للرأسمالية.
هذا مثل ثورة ثقافية صناعية تقدمت الى اليوم في برامج تعثر للصناعة الثقافية نفسها وما نراه يطغى على شاشات التلفزيون وبرامج تليفزيون الواقع، والبرامج الجنسية على الشاشة، والإعلانات التي تسوق الجسد وكل ما يدمّر البيئة نفسها.. مع ذلك لا إمكانية لمحاصرة الجمال على نمو شمولي والنتيجة هذه التلاؤمية الجمالية للبيئة الإنسانية ولأنماط من حياتنا ضمن تخطيط يبدأ بالأدوات الرائجة الاستعمال وانتهاء بتنظيم المدن، وبكل عناصر الشغف والقوى وأبسط الأشياء تصد موارد تدلل على مواطن الجمال من المواد التعليمية، إلى الملابس، إلى فرشاة الأسنان إلى النظارات و.. حتى في صناديق القمامة بالتأكيد يمكننا أن نضيف إلى الظاهرة الجمالية غير المحددة كل المنتج الثقافي والإعلامي والأفلام، المعارض، الموسيقى، والمسارح، الفنادق، محلات الملابس، أماكن اللهو... هناك تزايد مطرد للمادة الجمالية في منتجها الصناعي والتجميلي.. نحن نعيش في زمن فوق الجمالي وعلى نحو لا يملك أهمية شعور تزويقي وتجميلي في العالم.
نتائج الثورة
اذاً هذا من نتائج الثورة؟
- نعم وعلى مستويين اثنين. المستوى الأول ان الجمالية في العالم هي فتح تاريخي ومنذ آلاف السنين هناك فن الآلهة، والطواطم الى الفنون البدائية، الى الجماليات الكاتدرائية القروسطية، والكنائس الباروكية. كان هناك الفن الأرستقراطي في القصور والبلاطات والصالونات، ثم تأتي الى الزمن المعاصر، حيث الفن للفن، والمتاحف الفن... نحن نعيش اليوم «الجيل الرابع»، فن السوق الاستهلاكي والذي يميز أيديولوجيا الفن بنجاحين، أولاً انه فن للعموم، وثانياً انه في تحول دائم.
دخلنا عملياً في عصر رأسمالية الفنان وهذا هو الوجه الثاني للثورة. هذا بدأ في الفصل الثاني من القرن العشرين امتداداً الى العام 1950 مع كبرى الصالونات الفنية، والسينما، والشكل، والعمارة الصناعية، والاعلان. هذه الظاهرة عرفت أيضاً توسعاً قوياً مع أمجاد الثلاثينيات. نحن اليوم في المرحلة النهائية، مرحلة ما بعد الحداثة في رأسمالية الفنان.
وجهنا
كيف يمكن وصف هذا الوجه الذي نحن فيه الآن؟
- هي مرحلة جديدة من الرأسمالية، مرحلة الاستهلاك المالي أو مجتمعات الافراط في الاستهلاك، ومرحلة «السعادة المتناقضة»، ونموذج جديد من الأفراد المستهلكين، حيث أصبحت المرجعيات الأساسية المتحدة من أبناء المجتمعات الاستهلاكية الجديدة للبحث عن «الرفاهية» و»السعادة« عبر المشتريات والماركات الكبيرة وولوج علم الاتصالات المباشرة في ظل ثورة المعلوماتية وشبكات الانترنت. و»ذهنية الاستهلاك» أصبحت أحد المكونات الأساسية في حقل الثقافة.
وكل شيء يجري كما لو أن الاستهلاك يعمل من الآن وصاعداً مثل امبراطورية ليس فيها أي وقت ضائع فضلاً عن أنها لا تمتلك أية حدود مرسومة بدقة.
ثم الرأسمالية الفنية في حركة ودينامية دائمة ومتصاعدة. نماذج الأجهزة الخلوية تتغيّر كل ثمانية أشهر وطرق التجارة تقود الى حسومات تبلغ الثلثين خلال 6 أشهر والأمر ينسحب على صناعة السيارات، فيما كارل لاغيرفيلد وجان بول غوتييه يتفننان في تقديم أشكال جديدة، من قناني الكولا، وأحذية الرياضة.
تخرج من العالم بسلسلة تناقضات في الأسلوب الصناعي والدعائي، الثقافي والتجاري والفني والجمالي(...). الكل يتقدم تحت صيغة الجمالية الافقية أو الرأسمالية الجمالية الاشكالية».
الأزمة
هذه الرأسمالية يبدو أنها تعاني أزمة ما؟
- علينا عدم التوقع أن تقدم هذه الظاهرة الى الواجهة يأتي مجانياً، بالعكس تماماً، سريعاً مجموعة من المبادرات والاشارات تدفع الى الشك بالمنتج الجمالي نفسه كنوعية وكذائقة ترضي أذواق المستهلكين المتبدلة والمتغايرة سريعاً. ونتذكر قاعدة ريموند لوي: «البشاعة لا تبيع جيداً».
صناعة مثل صناعة السينما، هي نموذج للرأسمالية الفنية وهي ترتكز أساساً على تفجر المشاعر والأحاسيس(..) في الولايات المتحدة الأميركية تمتلك الصناعات السينمائية الموقع الأول قبل صناعة الطيران وقبل المنتجات الزراعية وحتى قبل صناعة السيارات.
الرأسمالية المالية، رأسمالية مطلع القرن الواحد والعشرين شكّلت نوعاً من القطيعة مع الرأسمالية السابقة التي كانت في حال نزاع واستمرارية وبقاء مع الاشتراكية في ظل الاستقطاب الثنائي الدولي الذي استمر قرابة سبعة عقود من الزمن. رأسمالية اليوم ايديولوجية ليبرالية خاضعة قبل كل شيء لمنطق السوق لم تعد هي الرأسمالية الخاضعة لنظام العرض، وانما تلك الخاضعة لـ»الطلب» وتعمل حسب أوامر منطق الطلب، ولهذا السبب تبدو الأزمة في تراجع حلقة الانتاج بكميات كثيرة، أي نوع من التجزئة للأسواق، أو الانتاج حسب قياس جمهور معيّن «وانتشار التنوع».
الأزمة ان المستهلك أصبح يبحث حصراً عن «السعادة الخاصة» وعن «استهلاك من أجل الآخر» في تعاظم للنزعة الفردية وليس بعيداً عن استهلاك في نشاطات غير منتجة مثل «الأسفار» و»السينما» والتسلية».
[إذا هي الشعورية أو السعادة المتناقضة التي تحدد النقد الفني اليوم؟.
- علينا أن نفهم الجمالية هنا بالمعنى الاغريقي القديم، أي ما يمسّ الحياة الحساسة والرأسمالية الفنية تركز على مشاعر المستهلكين وبواسطة فن التجارة، الروايات، الاشكال، الأصوات. والفني يساعد في هذا الاطار. من أيام الفنان دوشان الفن يعمل مع الذي ليس فناً.
فتاحات القناني أو المبولة في الحمام هي شيء من الفن وليست من المهنية التي تحدد الفن ما يحدد الفن هو الفكر، هو خرق التابوات والسائد المشاعر، هو الجسد وهي تجارب واختبارات أخرى.
الفنان اليوم
[وماذا تصير ضربة الفنان اليوم؟
- صورة بعيدة عن صورة الفنان النسبي أو الفنان الملعون. منذ أن اضطلع وارهول بموقع الفنان التجاري، صورة الفنان الرومنطيقي ربحت خطى مهمة من خلال المشروعية التجارية وأصبح الفنان في خدمة الماركات الكبرى.
موروكامي اشتغل في خدمة فيتون (Vuitton) وكيث هارينغ في خدمة الماركة العالمية سواتش (Swatch)، والفنان جرى النظر إليه مثل نجم. داميان هيرست تصدّر غلاف مجلة «التايم» (Time)، المهندسون المعماريون الكبار تحولوا الى أيقونات عالمية. بالمقابل أسماء أخرى تحولت الى أسماء فنية، الطبّاخون أيضاً تحولوا الى فنانين، مصممو الأزياء والصرعات الفنية صاروا نحو رأسماليين كباراً.
حتى رجال الرأسمال لراستييف جويس، فنان رؤيوي) الفن كان عدو عالم المال والطلب، لكنه دخل منطق السوق ومنطق الأعمال. زمن التناقض بين الفن والاقتصاد هو زمن كامل. والنتيجة تجليات جديدة للاغتراب في سباق نزعات الأعمال والموضة والماكياج والاستهلاك المفرط للشكلانية والمظهر، مما يرمي بثقله أكثر على الحياة اليومية ومعالم الماركات الصناعية المتجددة بسرعة جنونية.
[ تتكلم عن فن السوق، لكن هذا لا يمنع واقعية الفن؟
- فكرة أن المال لا يتواءم أو مناقض للفن هي فكرة تعود للمهنة. تاريخياً هذه العلاقات كانت موجودة دائماً، ونادراً ما كان الفنانون مأخوذين بمسألة الربح ما خلا استثناءات مع الرواد والأوائل.
على نحو ما قاله بودلير «الفن ليس فقط مسألة تحف فنية أو فنون جميلة». الفن عندما يصير تجارياً يخون الفن نفسه. الناس تجتمع لحضور فيلم شعبي أو يستمعون الى نموذج موسيقي ويتمتعون بمشاعر لا تختلف كثيراً عن مشاهدة عمل فني. وإذا كانت الرأسمالية أنتجت أعمالاً هشة وعادية وهشة حتى، فهذا ليس جديداً في التاريخ على صعيد الفنون الاستهلاكية ما أريد أن أقوله أن هذه مثل الفنون التي ستتوجه الى الجموع ولا تحتوي على خصوصية ثقافية.
الميديا
[وكيف تؤثر الميديا أو تساهم في جمالية العالم؟
- الميديا بالمجموع تتقدم بأعمال فنية غير متساوية في التاريخ. ثمة مليارات الناس التي تستمع الى الموسيقى اليوم أو تحضر أفلاماً سينمائية أو مشاهد معمارية فنية. نفس الشيء الميديا تساهم في شكل المستهلك الجمالي الجديد وبمشاعر سيئة تجاه الروايات أو الأحداث أو المناظر.
بشكلٍ عام الناس تريد النظر الى الجماليات في العالم وأن تسمع الموسيقى وتزين منازلها بتصاميم واقعية وتلبس على الموضة. وتطور وسائل الاتصالات والاعلام والتكنولوجيا والانترنت خلق رغبات جديدة ونزعات فردية، وذائقات جديدة الى الكليبات والصور، وهذا ينسحب على ذائقة الديمقراطية نفسها، والذائقة الفنية لا تعني بالضرورة الامتلاء بالجماليات كالذائقة الديموقراطية لا تعني وجود ديموقراطيات حقيقية. الزائر المعاصر الذي يقضي 10 دقائق أمام لوحة شكلية لـ تيتيان (Titien) ماذا يستوحي منها، ماذا يفهم منها، هذا ما يصنع العنصر نفسه من الجمال؟.
لا شيء في دنيانا اليوم بمعزل عن الماركة، الأمر لا يقتصر بعد الآن على الزبائن و»عطورنا والالكترونيات التي تتعامل معها وأسماء المقاهي التي تتسامر الى طاولاتها، بل سيمتد الهذيان الاستهلاك السريع الى كل شيء من آتون حقيقي من جديد، التسويق والاستهلاك فكراً وتطبيقاً.
بعض الطهاة اليوم في مطاعم الفنادق الضخمة، يتمتعون بنجومية بحقل توقيعهم على أي طبق يقومون بتوليفه مسبباً أساسياً لنجاح الوصفة ورضا الزبون. وهو الشغف نفسه الذي يتحدث به سوناتو فيرساتشي عن ماركته أو بيل مينيستر عن «مايكروسوفت». هذا ينسحب من الماركات التجارية الى الماكياج والاعلانات، واللوحة.. وإلى الفلسفة (...).
هذا يضع الحياة اليومية أمام امتحان صعب. فالعالم الجمالي أصبح خاضعاً لمفهوم السلعة وتنويع المنتوجات يتيح للمستهلكين استيراد أنماط حياتهم ومضاعفة الهويات التي ينتمون اليها. صحيح أن للأمر جوانب ايجابية تضع الناس أكثر أمام مسؤولياتهم الواقعية وإنما الأقل جمالية ورومانسية.. والافراط في الاستهلاكية الجمالية يشكل مجتمعاً آخر، أكثر هشاشة وعرضة للتلف العام.
بالنسبة إلينا نحن الأوروبيين هذه إشارة الى نجاح اقتصادي كبير، والمعاصرة تحمل ضمناً صراع النوعية. الأمر هو ربح أجزاء أكبر من السوق لعالم الكمية ولكل الصورة في الأعلى لجودة الصناعة الألمانية أو اللوكس (Luxe) الفرنسية فيما الابداعية بشكل عام والجمالية على وجه الخصوص هي في تحريك كل الموارد والطاقات والأفكار والمبادرات.
وهذا التوجه الأساسي بالنسبة لمستقبلنا يجب أن يبدأ في المدارس وهو طريق من طرق طويلة جدا لإعادة الدفق للإنسانية العالمية.
الشكلانية
[هذه الشكلانية في العالم هل تحولت أكثر سعادة؟
- النظام الجمالي ليس كل شيء في ثقافتنا، وهناك نماذج في قواعد أخرى لا تقل أهمية من مثل (الفعالية، الصحة...).
فالانسان عبارة عن طبيعة وميول، وبناء اجتماعي وفبركة قابلة للتغير باستمرار ومعها كل الأفكار الصلبة والمستقرة، وحتى الديموقراطية والسياسة الانسانية المستحدثة ترتبط بتنظيم التواجد المشترك بين الأفراد.
نحن اليوم مدعوون لتذوق نوع الحاضر وفق التغيير العميق لطبيعة آليات استهلاكنا للأشياء، هذا يدفعنا حصراً للبحث عن «السعادة الخاصة» وعن «الاستهلاك من أجل الآخر». والمبادرة تفترض أداء متصاعداً وهذا يعني أن نقوم بأشكال توفير من جميع مناحي ميزانيتنا، وهذا مدعاة للقلق والضغط وخيبات الأمل، وبالتالي «السعادة الناقصة» أمام متطلبات الأمن الاجتماعي والشخصي وعلى مستوى المشاعر والطبابة والخدمات... ونتيجة التضخم المخيب للآمال ازاء الاستهلاك المضخم نفسه والانخراط أكثر من الموجة الاستهلاكية العالمية.
فالرأسمالية الفنية من جهة تترافق مع الشعور الذي يقطع على طرف «الحياة الجميلة».
والحياة الاجتماعية المافوق جمالية لا تقود دائماً نحو انسانية دائماً أكثر سعادة.

بحث في المدونة