‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 2 يناير 2025

جيروم، جيرولامو، جيرونيمو...الكل واحد

 

في عصر النهضة، كانت المعادلة التكعيبية واحدة من أصعب الألغاز الرياضياتية، يظهر جيرولامو، أو جيرونيمو، أو ربما جيروم...حسنا ! سنقبل الاسم الأخير هذا... يظهر هذا الجيروم الذي كان طبيبا،  مقامرًا لا علاج له وربما قاتلا... فقد حوكم بتهمة قتل زوجته، لكن تمت تبرئته. ومع ذلك، فقد قطع أذن أحد أبنائه، في واحدة من نوبات غضبه المعتادة!

كان عصر النهضة هذا عصر مبارزات رياضياتية، وكان جيروم في حاجة ماسة إلى معرفة حل المعادلة التكعيبية للفوز بمبارزاته. اكتشف نيكولا تارتاليا حل هذه المعادلة، وظل جيروم يتوسل إليه ليعطيه الحل، لكن تارتاليا أبقاه سرًا.

وفي أحد الأيام يزور جيروم تارتاليا، يسقط على ركبتيه يتوسله طالبا الحل، ويقسم بعدم كشفه لأيٍّ كان...   يستسلم تارتاليا ويعطيه الحل.  في اليوم التالي، ينشر جيروم الحل على أنه خاص به!

يفوز جيروم بالمبارزة... ثم يلتفت نحو التنجيم، وبناء على بُرجه الخاص، يتنبّا بموعد وفاته...ويأتي اليوم الموعود... لا يموت جيروم.

 فينتحر  جيروم كاردانو محقّقا النبوءة.


الجمعة، 17 أبريل 2020

يوم زعفراني

يقوم أمير المؤمنين المتوكّل من نومه، يفرك عينيه متكاسلا مثلما يفعل كل الناس. يقبع في مكانه يفكر في الشيء الذي عليه أن يشتهيه اليوم.
يفكر و يفكر ويفكر، ثم يهتدي إلى جعل يومه هذا أصفرا " يجب أن يكون كل شيء يقع عليه نظري أصفرا، وإلا تنغص يوم شربي هذا" قال في نفسه المتوكل.
في رمشة من العين نصبت له الحاشية قبة صندل مذهبة، مجللة بديباج أصفر،مفروشة بديباج أصفر. وجعلوا بين يديه الدستنبو والأترج الأصفر، أنا أعلم أنكم سمعتم بالاترج لكن الاستنبو لا، لذا أقول لكم ببساطة أنه نوع آخر من الاترج لكن بالفارسية، وكان الشراب أصفرا في صواني من ذهب...أما الجواري، فلم يحضر منهن إلا الصفر، عليهن ثياب قصب صفر. كانت القبة منصوبة على بركة مرصصة يجري فيها الماء.
هل قلت ُالماء ؟
نعم الماء كذلك لم يغب عن أذهان الحاشية، جعلوا في مجاريه قدرا من الزعفران فجرى الماء مصفرا في البركة.
المتوكل الآن زاه منتش وسط الجواري والشرب و اللون الأصفر...فجأة يبدأ لون الماء يتغيّر، الحاشية الحمقاء لم تُقدر جيدا مدة مكوث خليفة المسلمين يشرب وسط الجواري واللون الأصفر، نفذ ما لديهم من زعفران. خشية غضبه، أخبروه فصاح في وجوههم " لم لم تشتروا من الزعفران أمرا عظيما، الآن إن انقطع وتغير لون الماء تنغّص يومي...خذوا الثياب المعصفرة وانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من الصبغ".
نفذت الحاشية الأمر، وتم نقع كل ما كان في الخزائن من ثياب وبذلك تفادت تنغيص يوم أمير المؤمنين وحمدت الله على أن وافق نفاذ الثياب سُكر الخليفة. عند حساب ما لزم من زعفران وثياب مصبوغة كان ثمنه خمسين ألف دينار.

أخطبوط ديوجين

ذاك الذي كان يعيش داخل برميل،  وكان يدخل المسرح من خلال باب المخرج، وإذا دخل يدخل ماشيا إلى الوراء، وإذا ما سأله أحد عن تصرفاته الغريبة قال: " أنا أُجهد نفسي على أن لا اقوم إلا بما يخالف ما يقوم به كل الناس"...مات.
 لكنهم اختلفوا في سبب موته. قالوا أنه مات بقطع أنفاسه، ونحن طبعا لا نصدق هذا. وقيل انه لقي حتفه في معركة مع كلب جائع حول أخطبوط نيئ. آخرون قالوا، بالفعل كانت ثمة معركة بينه وبين كلب غير انه انتصر فيها ثم مات نتيجة عسر هضم الأخطبوط النيئ. بينما الوقائع  الحقيقية كما وصلتنا حدثت على هذا المنوال.
وسط جمع من الفضوليين، تبرقع تحت معطفه وبيده الأخطبوط النيئ وقبل أن يبدأ الالتهام قال مخاطبا  " لأجلكم أنتم أخاطر بحياتي، لأجلكم فقط أتحدى هذا الخطر". وبدأ التهام الاخطبوط، ولم يكن هناك أي كلب.
لحظات قبل موته، طلب منهم أن لا يقيموا له مراسيم جنازة ولا يدفنوه، بل يرمون جثته بعيدا ويتركونها فريسة للوحوش والطيور الجارحة، أو يدحرجونها في أي حفرة ويرمون عليها قليلا من الغبار. كان يقول لهم : أكلت لحومهم نيئة، فليأكلوا لحمي نيئا، هكذا اتركوا الدائرة تدور.
في آخر لحظة، تمدد وقال متمتما وابتسامة ذبلى على ثغره " أنا لا أفعل إلا ما يحلو لي، وليس لي من شريك إلا الذي أرتاح له".
ومات ديوجين والأخطبوط نيئا في معدته، دون وريث يرث البرميل الذي بقي وحيدا على قارعة الطريق.

الفيتوفاج

إيفان، أسقف مدينة بافيا من إقليم لومبارديا في القرن الرابع بعد الميلاد، يقول أن الغنوصيين كانوا، لمراقبة  الزيادات غير المرغوب فيها، يستلّون الأجنة من الأرحام بأيديهم " لم يقل لنا إيفان كيف كانوا يفعلون ذلك!"  ، ولكنه شرح لنا ماذا كانوا يفعلون بعد ذلك.
يضعون الأجنة المستلّة من الأرحام في مهارس، يضيفون لها بعض العسل، بعض التوابل الحارة والزيوت العطرة، ثم تقام المأدبة الجماعية والأكل يكون بالأصابع. هكذا يقول جاك لاكاريار في الصفحة 105 من كتابه " الغنوصيون" ، وهكذا كانت بداية الفيتوفاج آكلي الأجنة المتواجدين في أيامنا هذه في الصين التي أتتنا منها كورونا.

لماذا ندقق الملاحظة في الحصان

لأن حصانا كان رابضا قرب سدرة عند منخفض فيض الحرية*، مرّت بجانبه سكينة بنت العكرمي  ولم تكن قد تجاوزت السبع سنوات.

لم يكن للحصان ظلٌ فانخطفت الطفلة وثقل لسانها ولم تعد تتكلم وبعد يومين نُصبت خيمة العزاء ببيت العكرمي. هكذا حكى لي محمد سُكْرة أن جدته حكت له، جدته القيدرية ذات الوشاح المزركش  والوشمين الأخضرين على شكل صليب، واحد في وسط الجبهة والثاني أسفل الشفة السفلى...القيدرية التي كانت ترعب أحفادها في الليالي حول الكانون ترمي به حبات بلوط وتسرد عليهم حكايات الجان والأحصنة عديمة الظلال.
ــــــــــــــــــــــــــــ
 *
فيض الحرية: منخفض على طريق سيدي البارودي كانت تظهر به الغيلان ...هكذا قيل لنا.



لماذا نموت

القمر كان بدرا مكتملا أو ربما هلالا، لا يهم، ما يهم هو ما قاله للقملة حين أرسلها يوما لتعد الإنسان بالخلود. في سرية أعطاها رسالة تقول " كما أموت وفي مماتي أحيا، كذلك أنت ستموت وفي مماتك تحيا" غير أن القملة وهي في طريقها صادفت الأرنب البري فوعدها بنقل الرسالة.
الأرنب البري نسي فحوى الرسالة وابلغ البديل الخاطئ لها: " كما أني أموت وفي مماتي أفنى، كذلك أنت ستموت وفي مماتك تفنى".
غضب القمر وضرب الأرنب على شفته، ومن ذلك الحين ظلت شفة الأرنب مشقوقة، ومن ذلك الحين ظل الإنسان يفنى.
هذا ما يرويه شعب الهوتنتوت في جنوب افريقيا عن أصل الموت.

الأحد، 5 نوفمبر 2017

ضفدعة بادود -1-

بعد توقف المطر عن الهطول خرج الكُبْ يجري  وعند منعطف الزقاق قابل بادّي السرج.
لا أحد يعرف لماذا أطلق على عبد القادر لقب "الكُب" أما بادّي السرج فاسمه بارودي وكان يحب وضع سرج على حمارهم فألصقوا به لقب السرج. انطلقا يعدوان نحو مكان تجمع مياه البلدة المسمى "لازيقو".
لازيقو مكان تجمع المياه والأطفال شتاء..فرصتهم الوحيدة للملة الأقلام والممحات وأقلام الرصاص وكل ما يفيض به أكبر مجرى في البلدة.
قال بادّي: أنا سأراقب مخرج المياه وأنت ترصد هناك عند الـــguelta.
أخذ الكب مكانه حيث أشار عليه بادي، وبيده عصا غليظة ينبش بها الطين. وبينما المياه تفور فورانها وتهدر هدير النهر الهائج قفزت ضفدعة قرب الكب. انقض عليها صائحا "ضفدعة يا بادّي !! 
-         أمسكها ولا تتركها، انا آت.
وجاء بادود، هو كذلك اسمه بارودي وينادونه بادود...ودخل معهم بادود اللعبة دون مقدمات.
حمل بادّي الضفدعة في كفه ثم قلبها على ظهرها وقبّل بطنها سبع قبلات متتاليات ثم اعطاها للكب  الذي مارس نفس الطقس على الضفدعة المستسلمة. ومن يد الكب انتقلت الضفدعة إلى اليد الثالثة، يد بادود.
"تقبيل الضفادع في بطنها أفضل طريقة لتعلم العوم"  يقول بادّي السرج ويقول " أن أخاه محمد كانت له أكبر ضفدعة في العالم وكان يُقبل بطنها سبع مرات كل يوم لذلك أصبح من أمهر العوّامين ، حتى انه يستطيع العوم في الماء الأزرق".
*****
كان الأطفال الثلاثة لا يفترقون، بادّي والكب وبادود.. وكان وادي سيدي البارودي هناك ينتظرهم.
 في يوم قائظ تسلل كل واحد منهم في فترة المقيل وانطلقوا نحو الوادي.قرب الجدول تجرد كل منهم من ملابسه، بادود لم يكن له تبان فقام بطي سرواله ثلاث أربع طيات إلى الأعلى من ساقيه...وراح بادّي يبتدئ طقوس العوم.
كانت الحجيرات السبع شبه متساويات الحجم في كفه اليسرى.مسك الحجيرة الأولى في كفه اليمنى وصاح " اخرجوا أيها الجن وادخلوا أيها الملائكة" ورمى بها في وسط البركة، ثم الحجيرة الثانية فالثالثة ، إلى أن رمى بالحجيرات السبع.
عند رمي الحجيرة السابعة تأكد الأطفال الثلاثة أن لا جن في البركة لذلك قفز الملائكة ثلاثتهم صائحين في البركة، وراحوا يصرخون ويغطسون ويمارسون فن العوم الذي استلهموه من الضفادع التي لطالما قبّلوا صفحات بطونها.
خرج بادي من البركة واستلقى عاريا على التراب بينما الكب وبادود يتقافزان في البركة وفي لحظة فارقة قام وخلع تبانه واستلقى عاريا وطلى جسمه كله بالحمأ الأسود  ثم قام وراح يقفز ويدور حول نفسه صارخا محاكيا حركات الهنود الحمر...أعجبت الفكرة الطفلين الآخرين فخرجا من البركة وتجردا مما كان يرتديان وفعلا مثلما فعل بادي...

كانت الشمس تلهب وكان الملائكة السود الثلاثة وحدهم على حافة الوادي ينطون ويصرخون عُراة...وحدهم يتدافعون ويتساقطون ويضحكون.

اُكْحَيْل

-          لديك شبه كبير بفوازالميزر، قلتُ.
-          ألم تجد مخلوقا آخر غير هذا ؟ سأوافقك بشرط أن يتخلى لي عن "سمرة".. رد عليّ محمد كحيل.
أنتم طبعا لا تعرفون محمد كحيل، كحيل بضم الكاف وفتح الحاء مع ألف همزة مضمومة ومُضمرة حتى لا تنطقونها كحيل بالفتح على طريقة المشارقة....لكنني أعرفه.
كحيل جالس عند عتبة قاسم صاحب الحانوت، دخلنا الحانوت وأعطانا قرعة ليموناد سوداء اللون، أعطيناه الدينار ورد لنا أربعة دورو، قال قاديرو الضلعة : أعطنا كأسا
-          "وهل أبقيتم لي كأسا واحدا؟ ، لقد سرقتموهم كلهم، اذهب واحضر كأسا من بيتكم." رد عليه قاسم.
خرجنا من الحانوت، انكببت على فنجان كان على يسار كحيل أريد أن أفرغ فيه الليموناد، شد كحيل يدي " لا، لا...لا تشرب في هذا"
قلت: قاسم لم يرد إعطاءنا كأسا.
دخل الحانوت وأحضر لنا كأسا بلاستيكيا أصفر اللون باهتا.كانت على يمين كحيل قنينة خمر ...كحيل يحب الخمر ويحب فنجانه ذا العروة البنية ولا يحبني ان أشرب الليموناد في فنجانه.
جلست وقاديرو الضلعة نحتسي المشروب الغازي وعن يسارنا كحيل يحتسي بين الفينة والفينة خمرته والناس بين غادٍ وآت ...عادي جدا...كحيل يحب كل الناس وكل الناس تحب كحيل.
في ظل "البوست" جالسين نلعب الدامة، لم يبق لي سوى حجرة واحدة ، أما بارودي ولد بوناب فقد بقي له ثلاث غير انني سبقته واحتللت وادي الثمانية قلت: "تعادل !!"، رفض بارودي مصرا انه سيفوز. أعدت عليه " لا تكن عنيدا، تعادل !"...في الواقع ، لم أقل تعادل ولكن قلت: "مطاولة". غير انه تمادى في مناوراته غير المجدية محركا الاحجار بيمناه ويسراه تنش الذباب عن أصبع قدمه اليسرى.
-          ما بها إصبعك؟
-          دهست في عتبة الدار.قال بارودي
بينما كان بارودي يجرب كل خططه للإطاحة بآخر حجر لي، وبينما كنت مكتفيا بتحريك حجرتي الوحيدة على طول وادي الثمانية، طلّ محمد كحيل من هناك قرب جنان العيد...لابسا سرواله "أزرق مارسيليا" ونصفه العلوي عاريا.
جلس في ظل البوست وكانت بيده قصبة ،قال: إيتني بمسمار.
ليس من الصعب أن تجد مسمارا في اكوام نفايات "التابتي" المرمية قرب سكة الحديد من الجهة اليسرى للبوست، في لحظة عدت وبيدي ثلاثة مسامير وقد أشعل بارودي نارا. وبدأ كحيل يسخن القصبة على النار الملتهبة، يدورها داخل اللهب ثم يمسحها بيده  ثم يعيد تدويرها وقد رمى أكبر مسمار في النار.
بواسطة المسمار ثقب القصبة ستة أو سبعة ثقوب متساوية المسافة فيما بينها...ثم أعاد تدويرها على اللهب ،قال " للقضاء على الشعيرات الظاهرة في حواف الثقوب".
كان الزمن صيفا وسراب الهجير يجعل من بيوت "التحاتة" تتراقص. وغير بعيد عنا  كان مربوطا حمار عمي الكبير، حماره الأبيض الوحيد في الكون، كان ينهق  نهيقا شبقيا  وقد رأى خيال أتان يتراقص بفعل السراب من جهة "التحاتة" قرب حويطة سيدي لخظر.
أما انا وبارودي فكنا مبحلقين نرى جميل صنع كحيل ، و يد بارودي اليسرى منهمكة بتنش الذباب... قال كحيل " سنٌديرها آخر دورة ونعيدها سيرتها الأولى، وغمز بعينه اليسرى"
محمد كحيل يحفظ الستين  ويعشق الخمرة و غناء الرعاة. اخرج سكينا عتيقا وبدأ يصقل فوهة القصبة ثم كآخر لمسة  وضع الفوهة في اللهب. مسحها وقال : " يا بسم الله !!! "
كنا مشدوهين لا يتحرك فينا سوى العيون  ويد بارودي السالفة الذكر والذباب الملهوف على الإصبع المتقرحة.
ثبّت كحيل القصبة على  الطرف الايسر من شفتيه، اخذ نفسا، وشهقت القصبة، وسكت كل شيء...سكت الحمار الأبيض، والجنادب لم يعد يهمها شدة الحر سكتت بدورها والذباب المهتم بالاصبع أصغى السمع هو كذلك...وتماوج اللحن الحزين المنهمر من قصبة كحيل عبر سراب شهر اوت. كنا نرى في عينيه بريقا كالاستعداد للبكاء، قال" هذا استخبار أغنية أنا العربي ولد الغابة والجيبل"
فجأة قمت وبكل ما أوتيت من قوة رميت بحجر كبير تجاه سحليّة مزركشة غير اني أخطأتها فانسربت لجحرها..قال بارودي مستهزءا :" حمار !!! " وحمل حجرا مسننا وقال: " قل لها تخرج الآن..قل لها..والله أقطعها نصفين، إذا اردت الرمي فارمي بهذا ، الحجر الحُرّيف وليس أي حجر كان"
قلت موجها كلامي لكحيل: أضرب لنا أغنية" جنان الشولي"
أعاد كحيل تثبيت القصبة على شفتيه، واخذ النفش المعتاد وانطلقت بحة القصبة وكأنها  نابعة من روح كحيل المتشققة ، كانت القصبة تشتكي
وكان سبيلي الوحيد لمواساتها هو شعوري بالقشعريرة ...قلت: من علّمك العزف على القصبة؟
-          "الهم والتطراد والمباتة برا" قال كحيل.
سكتُّ سكوت الأبله ونظرت إلى  بارودي المنهمك بإصبعه و الذباب بينما اخرج كحيل من جيبه طرف غصن شجيرة دفلى وبسكينه فلقه فلقتين طوليا. ثم قام بقص فوهة القصبة على شكل ربع دائرة وأدخل فلقة الدفلى.
قال: الآن لم تعد القصبة قصبة، الآن حوّلتها إلى "بيبّو"
-          وما الفرق؟
-          قال : سترى، بالبيبّو يمكن أن أعزف لكم ألحانا هندية.
لم يضع كحيل القصبة في طرف شفتيه هذه المرة، ولكنه ادخل البيبو في فمه، وراح ينفخ ألحانا من عالم مغاير، عالم ليس كهذا العالم.كانت عيناه مغمضتين وكلما فتحهما لاح لي فيهما بريق دمعتين تختصران كل شيء.
محمد كحيل يقف الآن هناك رفقة شاب كان يمكنه أن يكون حفيده، ويمر الناس يحيونه ويرد التحية بابتسامته المعهودة الشبيهة بابتسامة 'فوّاز الميزر".
هل سبق وقلت أن الناس كلهم يحبون كحيل؟؟ اظنني قلتها.


كحيل الذي سأطير فرحا يوم أضع ذراعي على كتفه ونحن متسامرين على ضفة وادٍ من أودية الجنة.

Sans zet curieux

يحدث كثيرا أن تستيقظ في صبيحة مغبّشة كارها كل شيء، وربما قد تتساءل: لماذا استيقظت؟ ليتك واصلت الحلم ...ليته لم ينقطع..تقول هذا في نفسك ليس لحلاوة الحلم بل للذة النوم ومرارة ما سيقابلك في يومك الأغبر.
هكذا كان حال إبراهيم اليوم...قام من نومه ناقما على الوجود كله...قام تاركا زوجته تشخر، حمل محفظته اكسسوار شخصيته وخرج من بيته..عند نهاية الزقاق سمعها تناديه فاستدار ليفهم من خلال إشاراتها أن الزيت قد نفذ وعليه أن يُحضر قارورة عند عودته.
في طريقه ...وفي لحظة هاربة من وقته المقرف في هذا اليوم، قرر ان لا يذهب للمدرسة..فدرس الظواهر الميكانيكية قد القاه على التلاميذ ملايين المرات...القاء هذا الدرس اصبح في حد ذاته ظاهرة ميكانيكية.
مر على ما يسمى مكتبة الحي...اقتنى جريدة كان مكتوبا بصفحتها الأولى عن "التقاعد" واشترى أربع سجائر غولواز و دخل المقهى.
لكل مقهى مرتادوه...كان عند المدخل ذاك الكهل المنهمك في حل الكلمات المتقاطعة والذي يكره أن يسبقه احد لمكانه المفضل هذا...أقصد عند المدخل، وفي العمق من المقهى شابان يحتسيان القهوة ويضحكان بصوت مرتفع.
جلس ابراهيم قبالة الكهل دون أن يلقي سلاما على أحد، وفي انتظار تلبية طلبه فتح الجريدة، ألقى نظرة خاطفة على محتوياتها...وبعد أن لبى النادل طلبه، وبعد ان تناول وجبته..وبعد أن التهم سيجارته الأولى، وفي اللحظة التي بدأ قراءة مقال "التقاعد" دخل الشابُ الظريفُ ممشوط ُالشعرِ.
وقف الشاب الظريف في منتصف قاعة المقهى واشار للنادل بيده، تلك الإشارة الدالة على طلب قهوة مضغوطة جدا...ثم استدار يبحث في تردد عن مكان يجلس فيه وفي الأخير اختار مكانا غير بعيد عن ابراهيم ...غير أنه بعد لحظات، وكأن منظر إنسان يقرأ قد جذبه أو ربما حُب فضول ما دفعه أو ربما ذاك الذي يسمّونه دودٌ قد أثار مكانا حميما في جسمه فجعله يقوم من مكانه ويجلس مع ابراهيم في نفس الطاولة...رفع ابراهيم رأسه متفاجئا ناظرا للظريف نظرة مسطّحة.
- السلام عليكم.
- سلام...رد ابراهيم
لم يكن ابراهيم قد أتم قراءة الجملة الأولى من المقال بعد.
- أرجو أن لا أكون قد شغلتك عن القراءة أو أن جلوسي معك قد سبب لك أدنى إزعاج.
هز ابراهيم رأسه نافيا وابتسامة باهتة على محياه ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته الثانية وأكب برأسه في الجريدة يعيد قراءة الجملة الأولى. تنحنح الشاب الظريف في مكانه قليلا كأنه يريد تثبيت جسمه على الكرسي أكثر فأكثر وقال : لا تنزعج أخي ، أريد أن أسألك سؤالا Sans zet curieux
دون أن يرفع ابراهيم نظره من الجريدة هز رأسه ان تفضل.
- Sans zet curieux...هل أنت أستاذ؟؟ أقصد هل تعمل في التعليم؟
- نعم يا اخي..نعم..انا في التعليم.
رد عليه إبراهيم..ثم أعاد قراءة حروف الجملة الآولى وذهنه شاردا بعيدا، او قريبا لأنه كان يقرأ وتفكيره منحصر في هذا المخلوق الجالس بجانبه...أعاد ابراهيم قراءة الجملة الأولى للمرة الحادية عشرة قائلا في نفسه " من أي مجرى نتن طلع لي هذا البني آدم ، صدق من قال ان المصائب لا تأتي فرادى"...بدت على ثغر ابراهيم ابتسامة استهزاء ...كان ابراهيم يضحك على نفسه إذ كيف سّولت له نفسه التفكير في عبارة " المصائب لا تأتي فرادى" فالعبارة هذه ليست في محلّها هنا ابدا.. 
بينما كان ابراهيم يكرر الجملة الأولى من المقال دون تركيز، كان الشاب الظريف يجول بنظره في الطاولات وانحاء المقهى ، ربما كان يفكر في سؤال آخر..وكان الكهل الذي كلمتكم عنه في الفقرة الخامسة يسترق النظر اليهما بين الفينة والأخرى.
- Sans zet curieux خويا.. و غي pour savoir شحال راك تصوّر في الشهر؟
كان هذا السؤال كالصاعقة ...سقطت الصاعقة على رأس ابراهيم فرفع رأسه من على الجريدة...الرجل الكهل سابق الذكر كذلك رفع رأسه عن جدول الكلمات المتقاطعة...نظر ابراهيم للشاب الظريف، تأمل شعره الممشوط جدا، ركزّ فيه النظر كأنه يريد تفتيش ما يقبع بداخل هذه الجمجمة المزينة بهذه الفروة الشّعرية اللمّاعة... "يهمك كثيرا امر شهريتي؟؟؟" قال ابراهيم وارتشف رشفة من زجاجة "توجا" ووضعها على الطاولة مركزا نظره على الموجود قُبالته.
- لا والله ، ولكن مجرد حب معرفة فقط ، Sans zet curieux يعني.
- في هذه الحالة أقول لك اجرتي تكفيني والحمد لله، أرى أن هذا الرد مناسب أليس كذلك؟
ثبّت الكهل نظارتيه الغليظتين واستأنف حل كلماته المتقاطعة، وعاد ابراهيم لجملته التي لم تنته بعد..أما الشاب الظريف فاكتفى برشفة من قهوته المضغوطة جدا .
بعد مرور لحظات صمت اراد الشاب الظريف النطق لكنه تردد على طريقة عادل إمام...ورغم أن ابراهيم كان يبدو غارقا في القراءة إلا انه لاحظ اللقطة...لاحظ اللقطة ولعنه في سره، لعنه وشتمه وابدى تقززه من طريقة تسريح شعره، بل ضربه بصفعة أردته صريعا، وتكوم الناس حولهما ..و و..و . كل هذا حدث في سره.
- Sans zet curieux خويا، والله غي اسمحلي Sans zet curieux هل أنت متزوج؟
- نعم انا متزوج..نعم..هل يزعجك كوني متزوجا؟
- ههههه، أبدا لا يزعجني ، بالعكس تماما، كل ما في الأمر هو أنني فكرت في حال من يعمل في التعليم وهو متزوج..أقصد الظروف الإجتماعية في أيامنا هذه لا تساعدنا على تأدية مهامنا على أكمل وجه..
لم يأبه ابراهيم لكلامه، ونظر حوله كأنه يريد تغيير المكان وفي اللحظة التي اطبق فيها الجريدة التي لم يتمّ قراءة جملة واحدة منها، وهمّ بالقيام نطق الشاب الظريف:
- Sans zet curieux هل زوجتك تعـــــْـ
عند حرف "العين" ، وبالتحديد عند السكون الظاهر عليها اختلط السافل بالعالي...لم يفهم الشاب الظريف شيئا وذهبت تسريحة شعره أدراج الدماء...رفعه رفعة تلتها ضربتا زجاجة "توجا"، جعلت الدم الممزوج بالمشروب ورديّ اللون مسفوحا على أرضية المقهى الزلجة.
خرج ابراهيم من المقهى تاركا الجريدة مطبقة والجملة الأولى غير مقروءة، والناس ملتفين حول الشاب الظريف....والكهل يحك رأسه بحثا عن مرادف كلمة هاربة.

جرعة حنين

في زاوية من الحوش تقبع سيدة، في حجرها رضيعة تثغو، فم الرضيعة ينز دما أحمر قانيا.
السيدة التي تقبع في زاوية الحوش تمسح الدم من على فم الرضيعة...الدم لا يتوقف مثلما صراخ الرضيعة. السيدة تحدق إلى السقف المصنوع من صفائح الزنك.
السيدة تتضرع، تدعو، والدم لا يتوقف من فم الرضيعة التي تثغو.
في الزاوية المقابلة لها من الحوش، طفلان يلعبان. طفلاها...الأكبر يحزم سلكا بآخر والثاني باركا على ركبتيه يشاهد.
الطفلان لا يأبهان بالسيدة التي بحجرها رضيعة يفور الدم من فمها.
فجأة يتوقف الثغاء...وفي نفس الفجأة تلك تصيح السيدة القابعة في زاوية من الحوش.
همدت الرضيعة ولم يعد هناك فائض من الدم ليسيل من الفم الصغير.
ماتت الرضيعة.
يُحكى أن الرضيعة أفاقت في صبيحة يوم ربيعي ..شيء ما آلمها فصاحت، حملتها السيدة وهدهدتها.
لم تفهم الرضيعة الهدهدة مادام الألم باقيا، فتمادت في صياحها...حاولت السيدة إسكاتها بكل ما ورثته من حيلِ.
لم تسكت.
أخذتها عند وحّاية المدينة...أدخلت الوحّاية مقصا في فم الرضيعة..قصّت لسان المزمار .
يقولون أن الحادثة وقعت في ربيع 1968 في المدينة التي لم يكن فيها طبيب إلا ذاك الفرنسي الذي لا تزوره السيدات اللائي غاب أزواجهن...يقولون أن الطيب كان شاذا.
السيدة ذات الأربع وعشرين خريفا والتي كانت تقبع في زاوية الحوش هي أمي، والطفل الذي كان باركا على ركبتيه يشاهد السلكين يُربطان هو أنا.

موت غيلان

يأتي إليه في المرة الأولى...يأمره أن يمد يده... يمدها... بضربة سيف تسقط اليد أرضا. ثم يأمره أن يمد رجله...يمدها....بضربة أخرى تنخلع الرجل عن الساق.
ويفرح الذباب برائحة الدم المتيبس بالحي الدمشقي
.الذباب ملحاح، نهم، لا يشبع ولا يرعوي، يتكاثر على مكان اليد والرجل المقطوعتين...يمر ذاك الوغد الساخر ويقول للمكلوم: " هذا قضاء وقدر،فكيف ترى ما صنع بك ربك؟!!"يرد: :"لعن الله من فعل هذا بي !!".
ويبقى في مكانه دون يد ولا رجل رفقة الذباب والألم والفصاحة، يمر عليه الناس فيسمعون أقواله ويرأفون لحاله ويتأثرون ويبكون وينتبهون لما كانوا عنه غافلين.يأتي إليه في المرة الثانية...يأمره أن يخرج لسانه...يخرجه...فيقطع لسانه ليموت بعد ذالك بوقت قصير.بهذا أمِن أميرُ المؤمنين أن المال لن يُرد إلى الشعب ويقف منتشيا برؤية الجثة مصلوبة على البوابة السابعة لدمشق، بجانبه الأوزاعي يردد""يكون في أمتي رجلان أحدهما وَهْبٌ وَهبَ الله له الحكمة، والآخر "غيلان"فتنة على هذه الأمة أشد من فتنة الشيطان".هكذا روى لي الرجلُ ذو الأسنان المثرمة قصة غيلان الدمشقي.

القضيب الحديدي

القضيب الحديدي ما يزال مغروسا عند المنعطف، غزاه بعض الصدأ ونبت في أسفله فسيلة خُبّـــيز وثلاث حُمّـــيضات.
” ألا يهديكم الله وتلعنوا الشيطان وتنزعوا هذا القضيب؟ يوما ما سيسقط عليه طفل فيفقأ عينَه” قالت العالية موجهةً كلامها لقاديرو…هذا الأخير لم يعبأ بها وانهمك في ترتيب عُلب الياغورت في متجره.
في الجهة المقابلة…هناك في الضفة الأخرى من الأبيض المتوسط شدّت العولمة الحزام على النظام المصرفي فتم استدعاء السفير صباح يوم ضبابي.
السفير يُبرق للرئيس الذي يعقد اجتماعا والوزير . الوزير يصدر تعليمة تجاه المدير العام الذي يُدبج سبعا وعشرين مطّة تفصيلية يختمها بعبارته الغليظة ” أولي أهمية بالغة في التنفيذ”.
والقضيب الحديدي الذي ذكرناه في السطر الأول مازال مغروسا.
تغوص المطّات السبع والعشرون عبر الأسلاك لتفاجئ مدير المؤسسة وتنتشله من دردشته الفايسبوكية …وترعبه الــ”” أولي أهمية بالغة في التنفيذ”…. فيستدعي ويصرخ في وجه رئيس المصلحة الذي يصبّ جام غضبه على أمين المخزن الذي يغادر المؤسسة في نهاية الدوام حانقا.
أما وريقات الحميضة فقد فاجأها الغروب فارتخت نائمة حول القضيب المغروس.
يدخل أمين المخزن بيته مهدهدا تقول امرأته ” قارورة الغاز فرغت”، تنطلقُ تلاثُ كفريّاتٍ من فمه في وجهها..تعود مسرعة للمطبخ، تصفع ولدها الذي كسّر صحنا خزفيا، يهرب الولد خارج البيت باكيا ليصادف في طريقه كلبَ الجيران، يهوي عليه بحجر، ينطلق الكلب لاهثا وفي المنعطف يصطدم بالعالية العائدة من السوق…تتمايل العالية، تفقد توازنها..وتتهاوى على الأرض…ولاتقوم.
فقأ القضيب الحديدي عينها وجرى الدم عل الخبيز والحميضات.

الحويطة

"هل نسيت؟ هل نسيت دورانك السبع دورات تلوى السبع على سيدي البارودي تتوسل به ليرزقك ربنا مولودا؟ هل نسيت لهثك وراء أتربة الأولياء؟" هكذا قالت صفية لرحمون وهي تمخض عكة اللبن..أما رحمون فلم يقل شيئا. بيده الفأس التي تخلخل رأسها فراح يشدها بخيوط خيش.
- "ألا ترأف بحال ابنتك؟ ثم انها لم تطلب منك الشيء الكثير، فستان السلطان فقط، فستانا واحدا يا رجل، هل هذا كثير؟" قالت.
- " قلت لك لقد بحثت عنه في كل مكان، في كركيطا ، في سوق الأربعاء وحتى أنني ذهبت لواد الصباح، ألا تفهمي؟ إفهمي يا مْرا !! "
رحمون يكذب..كلما استعمل عبارة يا مرا كان كاذبا.
" لقد وعدني السينكو أن يأتيني به من مالونغا، انه ذاهب لزيارة أهله في وجدة، سيأتيني به من مالونغا"
رحمون لا يكذب هنا وصفية تعلم جيدا أن مالونغا مكان بعيد والسينكو تاجر كثير التجوال.
خارج البيت، داخل الزريبة كانت عْوَالي بنت رحمون مقرفصة تمسد بيدها على قائمة البقرة كي تهدأ علّها تفكّ حزمة العلّيق التي التفّت وأعاقت مشيتها...البقرة تدير رأسها مرة بعد مرة تشم المخلوق الذي يتحسس قائمتها ...فكّت عْوَالي ربطة العليق وتحررت البقرة وصاحت عْوَالي " يجيب لك حمّى !!!"...عْوَالي لم تكن تقصد البقرة بل نبتة العليق التي انحشرت ما بين اصبعها والخاتم...نزعت عْوَالي جزء النبتة الذي علق بالخاتم...نزعت الخاتم، أدارته بإصبعيها أمام عينها، تأملته وجلست .
كان خاتما نحاسيا أهدتها إياه جدتها في الليلة التي جرى الدم بين ساقيها لأول مرة...قالت جدتها وهي تضع قبلة على خدها " نضجت الثمرة وحان القطاف"...أعادت عْوَالي الخاتم بإصبعها واشاحت بيدها خصلة شعر كانت منسدلة على جبينها وخرجت من الزريبة.
جدول سيدي البارودي المبارك يهدر غير بعيد عن البيت، يقولون أن منبعه يوجد في باليغون، ويقولون بعيدا جدا عن ماداغ، ولكنهم لم يقولوا أبدا أنه من الجنة. قالت الجدة " نذهب للدوار نبارك بختة بنت الرماسي مولودها الجديد" لذلك لبست عْوَالي فستانها الزعفراني ذي الفتحة المطرزة بالمرجان ووضعت فولارتها البنية تاركة خصلة شعر يميل لونه إلى الصفار ظاهرة للعيان...لأجل لون شعرها ينعتونها "الروخة".
خرجت الجدة تتبعها عْوَالي .
عْوَالي نعلها أزرق شفاف يظهر منه لون الحناء الاسود...لا أحد يحسن طلاء الحناء كجدة عْوَالي حيث تضيف للحناء مسحوق نبتة القُضَّيْم وقليل من الشب و جذور نبتة لا يعلمها إلا هي. ولقد تحايل عليها الكثير من سكان ضيعة سيدي البارودي أملا في الحصول على مكونات الخلطة إلا أنها أبت ان تمدهم بها بحجة أنها حكمة توارثتها ومن العيب أن تفشي السر.
2
أسفل البيت وفي عرض جدول سيدي البارودي المبارك تمتد على استقامة واحدة خمس صخرات ملساء كقنطرة لعبور الجدول ، الوسطى منها بالكاد تظهر على سطح الماء تغطيها طحالب ملساء وكومة أشنة السبيروجيرا . في الضفة اليمنى من الجدول خرجت ثلاث سلاحف صغيرة لتأخذ حمامها الشمسي ثم ظهرت سلحفاة تبدو عجوزا وأخذت مكانها بالقوة في وسط الثلاث الأخريات . في الوقت الذي كانت عْوَالي والجدة تهبطان التلة نحو الجدول فكرت أصغر السلاحف في الغطس لتلتهم ما على الصخرة الوسطى من طحلب ...سمعت السلاحف وقع الخطى فصاحت أصغرهما " آآآخ، آآآخ" وقفزت غاطسة ولحقت بها السلحفتان الصغيرتان دون معرفة سبب تنبيهها، أما السلحفاة العجوز فبقيت في مكانها هازة رأسها ساخرة من عبث الصغار.
عبرت الجدة عرض الجدول دون النظر إلى الصخرات أما عْوَالي فما إن لامس نعلها الأزرق البلاستيكي الطحلبَ على الصخرة الوسطى حتى تلاشى الاحتكاك وارتفعت ساقُها إلى الأعلى مسافة متر وارتطمت مؤخرة رأسها بالصخرة الثانية... وراح الماء يتسلل عبر كل الثقوب في جسمها البض المكتنز...
أما السلحفاة العجوز فاكتفت بمشاهدة ما يحدث.
هرعت الجدة نحوها صارخة ...ولم تتلق منها سوى شخرتين وكومة زبد أبيض بفمها...حملتها وعادت إلى البيت وجاء عمي العكّرمي وقال " لا جهد إلا جهد الله، أخذ صاحب الأمانة أمانته".
ماتت عْوَالي.
قالوا بختة العمرية هي التي عملت لها عملا في السدرة المقابلة لقنطرة سيدي البارودي. وقالوا ان عروسة السماء كانت تغار من عْوَالي لذلك اختطفتها وقالوا أن سيدي البارودي اختارها لابنه...قالوا كثيرا عن غياب عْوَالي ووحدها السلحفاة لم تقل شيئا.
3
رحمون يعود بعد غياب يومين وفي طريقه متجها نحو بيته يلتقي كحْلالة. "تأتي معي إلى الدوّار" يقول كحْلالة ويُخرج من تحت جلابيته قنينة خمر. يتحسس رحمون فستان السلطان الأحمر تحت إبطه ويرافق صديقه الحميم نحو الدوار..."ستظن صفية أني ما زلت أبحث عن الفستان" هكذا فكر رحمون مبررا مبيته عند كحْلالة يسكران.
انقضت ليلة السكر في الدوار وانقضى كل شيء...وعاد رحمون إلى بيته وكان كل شيء قد تم وانقضى مثلما قلنا في بداية الجملة.
اسودت سماء رحمون وغزت الظلمة الوجود ولم يبقى نورا في عيني رحمون سوى فستان السلطان أحمر اللون مكوما تحت إبطه. اعتلى رحمون رابية مقابلة لقبة سيدي البارودي جلس قريبا من شجرة سرو أخرج الفستان الأحمر وراح يمتهن الصمت.
كان سكان الضيعة يمرون عليه ويواسونه ببعض الكلمات وبعد أن شاع أمره أصبح زوّار سيدي البارودي يقفون عنده يربّتون على كتفه ويتأملون الفستان الملقى على ركبتيه. قالت إحدى زائرات سيدي البارودي ان ابنها كان عازفا عن الأكل ومن يوم ان ربتت على كتف سيدي رحمون أصبح ولدها يأكل كالثور، وردّت عليها محدثتها أنهم يقولون ان دعوته تخترق سبعمائة ألف حجاب.
أما المرأة التي أتت من عمق الصحراء فقالت انها نذرت نذرا أن تزوره مرة كل شهر لأن بركته وبركة الفستان الأحمر هما من سهلا الطريق لابنتها نحو الزواج.
4
لا أحد بمقدوره تفسير ما حدث صبيحة ذاك الإثنين الباهت.
مياه الجدول خف هديرها وكان الحزن يتموّج في الحواشي. السلاحف أضربت عن حمامها الشمسي و تكومت أكبرها عميقا عند منبت القصب ..أما انثى الجعران فقد قابلت ذكرها غاضبة "اين كرة الروث؟ الم تأت بكرة الروث؟
قال: لن يكون هناك كرات بعد اللحظة، سنكون ارستقراطيين كما وعدتك وقد قررت مقاطعة القاذورات ولن أتبع مسير الشمس بعد الآن...من اللحظة هذه لست جعران روث، أنا الآن ارستقراطي.
أما اليعسوب فقد حذر قبيلته ان امرا جللا حدث ولم يعد احد يهتم لحركاتنا البهلوانية على سطح الجدول ..يقولون ان البشر صنعوا يعسوبا من حديد...لا مقام لكم هنا ..لم يعد سيدي البارودي يحميكم.
لم يفهم أحد من أهل الضيعة سبب صمت قطيع الماعز ولا تكوم ديك بنت اعمرتحت شجيرة العوسج.
قال العكّرمي للجماعة " لطالما حذرته ..كم مرة قلت له لا تجلس عند ملتقى الشمس والظل..كم مرة نصحته بتغيير مكان جلوسه واقترحت عليه أن آتيه بجلد خروف يجلس عليه تحت ظل شجرة الخروع إلا انه عنيد، بقي على حاله مقرفصا ما بين النور والظلمة...والله حذرته من عرائس السماء."
- "اختطفته عروس السماء إذا " قال كحْلالة
- ومن غيرها؟ رد العكّرمي
قال أصغر من كان في الجماعة بعد أن سوى عمامته المغبرة " كان كل ليلة بعد ان تطير الهامة لتمارس صيدها يحمله اثنان ويأخذانه عبر سلم معلق بالهواء نحو قبة سيدي البارودي...أقسم بالله أنني رأيت ذلك في ليلة من الليالي خرجت فيها لأتبول أعزكم الله"
أدار كل من كان حاضرا وجهه نحو مكان جلوس رحمون ثم نحو قبة سيدي البارودي يقيس المسافة ويتخيل السلم معلقا في السماء.
صمتَ الكل.
قالت إحدى زائرات مقام سيدي البارودي على كتف من أربت الآن؟ وهل ستبقى ابنتي عانسا؟ ردت عليها إحداهن " قالوا سيظهر في اليوم الثالث وسيتناول عشاءه مع سيدي البارودي" غير أن اسابيع ثلاثة مرت ولم يظهر رحمون.
5
غاب رحمون. يقولون اختُطف ويقولون هاجر إلى مالونْغا أما فْقيه الدوّار فأكد لهم ان الملائكة الكروبيون رفعوه مثلما حدث لسِيدْنا دْريس وسيرجع ليحرس الأقاليم الأربع...هكذا قال الفْقيه...هزّ الحضور رؤوسهم وكانت هالة القداسة تظلل مجمعهم...أما أبناء حمادي الثلاثة فقد اتفقوا أن ملقاهم سيكون عند السدرة المباركة وقتما تطير الهامة.
عندما ثبّتَ ابن حمادي الأصغر آخر حجرة "تيفْكْرتْ" على الحويطة قال أوسطهم " لا أظن أن كمية ماء الجير هذه ستكفينا".
كانت هالة القداسة تظلل جميع أنحاء الضيعة حينما أفاق سكانها ورأوا تحت شجرة الخروع حويطة رحمون، أما أبناء حمادي فقد بُهتوا حينما رأوا أن لون الحويطة قد أحيل إلى الأخضر...تبادلوا فيما بينهم النظرات والتهم أيهم طلا الحويطة بالأخضر.
فرحت زائرات سيدي البارودي بحويطة سيدي رحمون، وأصبحن يستهللن طقوس الزيارة بالعروج على سيدي رحمون...يربتن على حواف الحويطة، يدرن حولها سبع دورات تامّات.. يدخلنها ويضعن شمعة في الحيّز المخصص لها...وحين مغادرتها يعلقن قطعة قماش حمراء وفاءً لفستان السلطان الذي لم ترتده عْوالي أبدا.
" المقاول نورالدين، قام بكل ما يمكنه القيام به للحصول على مشروع الطريق المار بقرب سيدي البارودي، دعا عاملين من عمال ديوان الترقية لمأدبة عشاء كلّفته الشيء الفلاني، اشترى أضحية العيد هدية لسكريتيرة رئيس البلدية، الليلة الحمراء التي قضاها محاسب الخزينة في حانة المدينة كانت على حساب نور الدين...غير انه في بداية مشروعه هذا وقفتْ له حويطة سيدي رحمون بالمرصاد. قالت له أمه " أنا بالله وبالشرع عليك...إلا سيدي رحمون، لو مسست شعرة منه فلا أنت ابني ولا أنا امك" ...تردد نور الدين كثيرا...خاف نور الدين..وفي آخر المطاف عمل بنصيحة زوجته وأحال أمر الحويطة لسمير الخارج من السجن لتوه بعد عشر سنوات قضاها : يقول انهم سجنوه خطأ." هكذا يحكي بارودي الكوافير.

أتعس إنسان على الكوكب

نصَحوا بوجمعة أن يتوجه نحو البندقية أو اسطمبول أو اي بلد أوروبي...ولكنه غلّظ رأسه ويمّم شطر الشرق الاوسط.
فتح بوجمعة عينيه فوجد نفسه تحت شجيرة الأرطي...بكفه حفنةُ أرزٍ حسّاوي. 
لم تدخل جوف بوجمعة لقمة منذ أربعة أيام..ولم يرد التفكير في الطريقة التي ألقت به في هذه المنطقة المغبورة من الأحساء ...ألقى الحفنة بفمه..الأرز الخشنُ يضل طريقه ويقرر التوقف على مستوى البلعوم...عبثا يبحث بوجمعة عن ماء..عن سائل ما ..عن هواء... يلهث بوجمعة لهثتين متتاليتين ويموت.
بكل بساطة....يموت تحت شجيرة الأرطي غير بعيد عن جبل الأربع في منطقة مهجورة من الاحساء...
يتحلل جسمه...يذوب..يغوص بعيدا تحت الرمال اللاهبة...يتمادى في غوصه إلى ان يصل بعيدا حيث تستقبله الترسبات الطينية الرملية بالأحضان...وتشكل منه شمعا أسودا لتقدمه لقمة سائغة للضغط الشديد الذي يدخله في التنّور الجهنمي فيحيله إلى بترول .
وتأتي قافلة آرامكو تدلي بدلوها وتغرفه ثم بقدرة قادر تفرغه في صفيحة معلبة ودون تأشيرة ترسله بعيدا...ثم تهل قدرة القادر مرة أخرى ويلفي نفسه في مقاطعة جيانغسو بالصين..و بالتحديد في مدينة ناجينغ.
لا يلبث ثمة كثيرا، حيث تهل قدرة القادر للمرة الثالثة وفي رمشة من العين يتم تشكيله وتحويله إلى " مرجن بلاستيكي"
ويُعطى له لون بني ... و...Hop !!! يجد نفسه في سوق بومعطي بالحراش بين يدي طفل صغير ينادي بأعلى صوته " خمسالاف المرجن...خمسالاف...الرخى يقتل !!!".
***
قلّب انظوان لافوازييه قصة بوجمعة بين يديه...قرأها للمرة السابعة ثم خط في كشكوله " بوجمعة...الأرز...التحلّل...الانصهار..الشمع..البترو ل..المرجن البلاستيكي..سوق بومعطي" وراح يدرج غرفته جيئة ورواحا...يكرر ويكرر..ثم بجرّة قلم شطب على سوق بومعطي...وعاد من جديد يكرر الكلمات بالتتالي.. وفجأة صاح "أوريكا!!! أوريكا!!".
ومن تلك اللحظة السحرية انبثقت فكرة: "لا شيء يضيع لا شيء ينتج الكل يتحول".

بحث في المدونة